{مسيو داك} العراقي

الخميس 04 آذار 2021 286

{مسيو داك}  العراقي
  سلام مكي
 
لعل أقل ما تتركه رواية {مسيو داك} للروائي نزار عبد الستار، هو الدخول في عوالم ومتاهات قد تشكل نصا موازيا للنص الأصلي.. مسيو داك، نص روائي، لا يسعه إلا أن يفجّر سيلا من التأويلات والقراءات التي قد تذهب بعيدا عن مقصد الروائي، لكنها قراءات لا تخلو من المشروعية.. بداية من الغلاف الذي يوحي للمتلقي العابر أو المتصفح أنه غلاف تقليدي، فهو صورة لشجرة الكرز يقف عليها طائر أسود اللون، وربما لا يعرف ذلك المتلقي أن الصورة تعود لشجرة الكرز!
وحتى بعد الدخول في عوالم الرواية من خلال الصفحات الأول، يشعر القارئ بجو غريب، ومنطقة غير مألوفة بالنسبة إليه، ابتداءً من العنوان "مسيو داك" الذي يحيلنا إلى بيئة غير عراقية، وحتى شجرة الكرز التي يندر وجودها في العراق، ثم العبارات التي تعمد الروائي دسها بلهجتها الأم.  
تبدأ أحداث الرواية في لبنان، إذ يسعى "مسيو داك" العراقي إلى لقاء "ربى" الباحثة في مجال مكافحة الحشرات، بغية التخطيط لمواجهة حشرة تصيب شجرة الكرز! والمفارقة أن الأمر، يكون تحت حماية شخصيات على مستوى عالٍ في الدولة اللبنانية: "فمن العجائب أن تهتم الحكومة بجنينة مواطن يزرع الكرز لكي يأكله". 
العبارة الأخيرة، أسهمت في وضع تصور تام، عن طبيعة المهمة وأهميتها، فالدولة اللبنانية رغم ما تعانيه من مشاكل بنيوية، مثلها مثل العراق، فإن الاهتمام بشأن شخصي أمر نادر الحدوث: "لم يحدث هذا حتى في أميركا"!! تلك الدولة التي يبدو ظاهريا أنها لا تعاني من المشاكل التي يعاني منها لبنان، لا تهتم بهذه الدرجة في جنينة كرز، بحيث تنال اهتمام وزيرة الداخلية شخصيا: الشيخ سعد (سعد الحريري) حوّل ملف السيدة ربى الى الوزيرة ريا الحسن. 
في الأحداث الأولى للرواية، كانت هنالك ثيمات متعددة، استطاع الروائي، نثرها بين سطور الرواية، جاعلا منها منبها يوقظ الأسئلة النائمة في ذهن القارئ، ويحيله إلى أماكن جديدة ومؤثرة في المشهد العراقي، بعد أن كان يشعر أنه يمشي في طريق غير مألوف بالنسبة له. 
"تورطت مرغما في حوار مع ثلاثة بدناء كانوا قبل عشر سنوات يديرون بسطات في الباب الشرقي لبيع أكسسوارات الموبايلات والآن يملكون بنكا أهليا في شارع السعدون ببغداد".. إقحام الراوي هذا المشهد القصير الذي هو عبارة عن حوار بين الـ "مسيو داك" العراقي والعراقيين الثلاثة الذين ينتمون إلى عالم السياسة الذي حوّلهم من بائعي أشياء بسيطة إلى أصحاب مصارف أهلية، يوحي للقارئ بأنه ليس بعيدا عما يدور في بلده، أو أنه جعل من هذا المشهد ديكورا أو شجرة على الطريق، ليذكر القارئ بأنه لا يسير في طريق غريب. 
فوجود أشخاص حديثي النعمة، أمر مألوف ومتعارف عليه في العراق، وهو من مخلفات السياسة الجديدة التي صنعت مجدا سريعا لعدد غير قليل من ..! ولأن بيروت ليست مكانا غريبا على العراقيين، خصوصا أصحاب الأموال. 
و "مسيو داك" هذا، رجل غريب الأطوار، مدعاة للتأويل والتحليل، فهو صاحب عقد نفسية، يحب العزلة، ورغم أنه رجل أعمال، ويحضر أعمال مؤتمر جمعية البنوك، لكنه يرى بأن علم الاقتصاد لا يتطلب منا أن نكون أغنياء، بل متيقظين لشرف التعامل.. وهذا ما بدا واضحا، عندما رفض العروض التي قدمت له ومنها خمسين ألف دولار، مقابل إقناع "ربى" العالمة بأمراض النباتات، بالعودة إلى أوروبا، لتقوم بالمهمة ذاتها ولكن ليس في لبنان، بل هناك في مزارع الكرز الأوروبية، التي تعاني هي الأخرى من محنة الحشرة ذاتها، والتي استدعت حضور "ربى" العالمة لمكافحتها. شخصية هذا "المسيو" الغريبة تتجلى بشكل أوضح من خلال بقائه مع "ربى" طوال أحداث الرواية، بغية إنجاز المهمة التي جاءت من أجلها وهي مكافحة الحشرة "ميفيا" التي أخذت تفتك بأشجار الكرز.. فهل ثمة إشكال في قيام رجل أعمال وصاحب أفكار وتجارب، بأخذ مبلغ مالي كبير، لقاء إقناع عالمة في أمراض النباتات، بالعودة إلى أوروبا؟ هل يمكن لرجل هكذا، اختيار مصاحبة تلك العالمة، والاكتفاء بالعبث البريء والهادئ في جسدها، وممارسة الطقوس اليومية في السرير وبأوضاع غير تقليدية، مقابل آلاف الدولارات؟، يبدو أن نزار عبد الستار، أراد قول كلام خفي، لا يمكن قراءته، مالم يحاول القارئ الدخول إلى العوالم المخفية للنص، إنها الفكرة التي سعى نزار إلى قولها عبر وسيلة غير مرئية، لكنها مكشوفة لمن يريد أن يقرأ بشكل دقيق، فهذا العراقي الذي هو زياد أو "مسيو داك" رغم أنه عراقي، وصاحب أفكار وطموح ورغبة في توسيع أعماله واستثمار أفكاره: "لم اعد احتمل التواصل مع العراقيين الجدد، كانوا كممثلين سيئين، نياتهم لا تتوافق مع أوراق المشاريع التي يحملونها، ودائما ما تكون لديهم أموال فائضة يريدون إخفاءها".. هذا الموقف الذي يؤكد سعي زياد العراقي إلى تنمية وتطوير قدراته ومهاراته، ومن ثم، زيادة ثروته، مقابل الموقف الذي حصل له، عندما رفض جميع أشكال الإغراءات التي قدمت له لقاء التعاون مع "دومينيك" التي كانت تسعى وراء "ربى". كما يؤكده الموقف الآخر، عندما علم في الأحداث الأخيرة للرواية بحصول حريق كبير التهم البناية التي يملكها، فكان أول جواب له على الخبر: هل أصيب أحد من المستأجرين؟. 
نزار عبد الستار، يحاول من خلال روايته "مسيو داك" تقديم بديل حقيقي عن العراقي المغترب، ورغم أنه بديل إشكالي، لكنه صاحب مبادئ وتجربة في السمو بالجانب الروحي على الجانب المادي، رغم أنه ولد من رحم البزنس والتجارة.. ولا يمكن تجاوز الفكرة الجديدة والمنطقة التي سلكها نزار عبد الستار، في جعل شخصية رجل عراقي، ينشغل بقضية خاصة في إحدى مزارع لبنان الخاصة! قد تبدو الأحداث التي جرت داخل حقل الكرز أو الجنينة، هي الثيمة الظاهرة للرواية، لكن ما خفي من أحداث وما تستدعي بث رسالة وفكرة عن الشخصية العراقية، هي الأكثر بلاغة وصورة، استطاع نزار عبد الستار بما عرف عنه من قدرة ومهارة في الخلق الأدبي، أو يوصلها إلى المتلقي.