متحف التراث السرياني شاهدٌ تاريخيٌّ على حضارة شعب ومكون أصيل

الثلاثاء 23 آذار 2021 249

متحف التراث السرياني شاهدٌ تاريخيٌّ على حضارة شعب ومكون أصيل

  خالد ابراهيم

يعد متحف التراث السرياني واحداً من الشواخص التاريخية القديمة التي تتحدث عن حقب تاريخية قديمة ضاربة في عمق التاريخ والحضارة، اذ يضم المتحف اقساماً وقاعات تعرض فيها مختلف المواد والتحف والصور القديمة النادرة، وللحديث عن متحف التراث السرياني واقسام المتحف والمشاريع المستقبلية والعديد من الموضوعات والمحاور المهمة.

تحدث لـ «الصباح» مدير متحف التراث السرياني السيد كلدو رمزي قائلا: "متحف التراث السرياني هو تابع لمديرية التراث، وهو جزء من المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية التابعة لوزارة الثقافة والشباب في حكومة اقليم كردستان، اذ تم استحداثه في عام 2008 بقرار من برلمان اقليم كردستان من قبل ممثلي ابناء الشعب الكلداني السرياني الآشوري، والذي جاء بعد المطالبة باستحداث مديرية للثقافة السريانية تابعة لوزارة الثقافة والشباب في عام 2007، وهذه المديرية قامت بتأسيس اقسام تابعة لها، ومتحف التراث السرياني هو جزء من هذه المديرية، والمكتبة السريانية والفرق الشعبية ايضا، ولديها اقسام في اربيل ودهوك، وفي عام 2011 تم بناء هذا الصرح، ومبنى المتحف يعود الى بلدية عينكاوا وتم تخصيصه لوزارة الثقافة ليكون متحفاً عاماً يختص بالتراث السرياني".
 
1800م
وتابع رمزي "وفي السنتين الاوليين لانشاء هذا المتحف، كانت هناك محاولات لكل موظفي مديرية التراث في تجميع المواد التراثية من جميع مناطق تواجد ابناء شعبنا من الكلدان السريان الاشوريين اي انه كمبنى تم افتتاحه في 11/ نيسان من عام 2011، هذا المبنى يتكون من قاعتين اساسيتين، القاعة الاولى فيها المواد التي استخدمت من قبل آبائنا واجدادنا كالمواد المنزلية والزراعية وكل ما هو متعلق بالاشياء الملموسة، اما القاعة الثانية وهي تعتبر قاعة مهمة جدا فهي تشمل التراث الثقافي لابناء شعبنا، نتحدث عن 1800م ولغاية يومنا هذا، لماذا نتحدث عن 1800م لان في ذلك الحين بدأ الشعور بالوعي القومي وتشكلت القومية لابناء شعبنا اي اننا نتحدث عن اوائل الكتاب ورواد النهضة، ابائنا واجدادنا الاوائل الذين الفوا (لقسيقن) كما نسميها نحن اي القواميس الاولى السريانية الآرامية، هؤلاء الاشخاص الذين كتبوا عن هوية شعب عريق، كما يشمل المتحف ايضا زاوية اخرى خصصت للمخطوطات السريانية".
 
مخطوطات وترجمات
واضاف "وكما نعلم ان المخطوطات السريانية هي كنز كبير ليس فقط لدى الكلدان الاشوريين بل للعراقيين جميعا، اذ ان بيوت التراجم كان لها دور  وتأثير كبيران في الثقافة الاسلامية، ايضا اذا ما علمنا انها كانت تترجم من اللغات الكليرولية والاغريقية الى السريانية ومن ثم من اللغة السريانية الى العربية، اذ كان لابائنا السريان تأثير كبير في الثقافة بشكل عام، ففي اقليم كردستان فقط يوجد ما يقارب الـ8000 مخطوطة، وايضا نتحدث عن اوائل الذين عملوا في المسرح وكان لهم تأثير كبير في المسرح العراقي، وكانت ريادة المسرح بيد السريان امثال عزمي كرومي وآخرين، وكذلك اوائل الآثاريين الذين كان لديهم حب لاستكشاف آشور القديمة وبابل امثال هرمز الرسام واسماء كثيرة لامعة كان لها تأثير في مجال الآثار".
 
أول نشيد وطني عراقي
وبين "كل هذه الاشياء في المتحف نريد أن نسلط الضوء عليها من اجل اجيالنا الجديدة كي يستمدوا العزم والقوة من آبائهم واجدادهم، فهم كانوا الاوائل في كل هذه الحقول الثقافية والابداعية، حتى الكاميرا فقد كان لابائنا دور كبير في ادخالها الى مدينة الموصل، ومن اوائل الفوتوغرافيين عزمي بيك، وكذلك اذا ما اردنا أن نتحدث عن الوجهة الاخرى في المتحف وهي الموسيقى التراثية وتأثيرها في الموسيقى العراقية، فهناك موسيقيون كبار كجميل بشير، وكذلك لويس زنبقة الذي قام بعمل اول نشيد وطني عراقي، ومنير بشير وكل المقامات كـ "ميحانة ميحانة" التي اخذت من الحان كنسية في كنيستنا الكلدانية السريانية الاشورية، واعطت زخما آخر للاغنية العراقية وحتى الكردية امثال ماما سيوه وآخرين ممن منحوا الاغنية الكردية الحانا ومقامات جميلة، وايضا هناك قسم اخر في المتحف هو قسم النسيج ويضم كل المنسوجات القديمة، كما يضم المتحف ورشة خاصة بصيانة كل المواد التي نقوم باستقبالها والتي تدخل الى المتحف، فكل مادة قبل أن تدخل الى المتحف تتم معالجتها وصيانتها من قبل قسم الصيانة في المتحف، الى جانب ان هذا القسم يقوم بمتابعة وصيانة كل القطع الاثارية الموجودة في المتحف، فلديهم خبرات متراكمة كبيرة، اذ يتعاملون مع كل مادة بحسب ما تحتاجه، سواء كانت هذه المادة طينية ام نحاسية او  كانت من النسيج او غيره من المواد، وحتى بما يتعلق بقسم المخطوطات لدينا خبراء مختصون بهذا الصدد وكيفية التعامل مع هذه المخطوطات ودقتها، وايضا لدينا ورشة في المتحف مختصة بالصناعات اليدوية الفولكلورية، ومنها التطريز وصناعة الاكسسوارات الفولكلورية وبعض المهن الفولكلورية القديمة، وايضا هناك قسم الازياء الشعبية التي تتميز بالوانها البراقة وتطريزاتها الجميلة وكل منطقة لديها زي خاص بها ولكن الكل يتوحد بغطاء الرأس وخصوصا الازياء النسوية والتي تعود لابناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري".
 
ثروة وطنية
اما عثمان توفيق وهو استاذ جامعي وحاصل على شهادة الماجستير من المملكة البريطانية المتحدة في مجال الآثار والمتاحف، فيحدثنا عن اهمية المتاحف بشكل عام، لاسيما متحف التراث السرياني في اربيل قائلا: "للمتاحف اهمية كبيرة في كل مكان او منطقة، والمتاحف هي ليست فقط آثاراً، فهي تشمل كل الثقافات والقوميات والطوائف وكل الاقليات، فكل شخص يستطيع أن يكون لديه متحف خاص به، فالمتحف يعتبر ثروة مهمة للتعريف بثقافة وتاريخ ذلك الشخص او الاقلية او المجتمع والمحافظة عليه، والمتاحف هي انواع فهنالك متاحف تراثية فولكلورية، وهنالك متاحف جيولوجية، واخرى عسكرية، واخرى لشعراء او رؤساء او لاعبين، فالمتاحف العالمية هي متاحف لكل شيء من الممكن المحافظة عليه وتعريف العالم بتلك الثقافة، وعندما نريد التحدث عن متاحف الاقليات، لاسيما متحف التراث السرياني في عينكاوا باربيل، فانا اجد ان هذا المتحف هو حالة حضارية جميلة ولابد من وجود متاحف مشابهة له في كل المحافظات الاخرى وان تكون لكل الاقليات متاحف خاصة بهم، وانا هنا ارى الا نسمي هذه الاقليات بهذه التسمية، ممكن تسميتهم بالاشخاص ذوي النفوس الاقل لانهم اصلاء في هذا البلد وهم جزء لا يتجزأ من تاريخ وثقافة البلد، فنحن عشنا معهم ونفتخر بهم وبكل الطوائف، ونجد كل العالم يفتخر بتنوعه وتعدد مذاهبه وطوائفه، ولابد من تطوير هذه المتاحف ودعمها فمن خلال هذه المتاحف يمكن للانسان الاطلاع على الجانب الثقافي لهم وكذلك طريقة عيشهم و الجانب الديني والعديد من الجوانب الاخرى، وكذلك نتمكن مثلا من معرفة فنانيهم والفولكلور التابع لهم، وانا افتخر بوجود هكذا متحف في اربيل واتمنى وجود متاحف مماثلة للمسيحيين في مناطق ومحافظات اخرى، وخصوصا في مناطق تواجدهم".
 
تنوع المتاحف
اما العالم المتخصص بالشأن الآثاري خليل برزنجي فتحدث ايضا عن متحف التراث السرياني قائلا: "بالنسبة لمتحف التراث السرياني فهو متحف فولكلوري يبرز الهوية السريانية او المسيحية بالمعتقد، وهو شيء جيد ليكون لدينا تنوع بالمتاحف في الحقيقة، وانا من خلال زيارتي واطلاعي على مختلف المتاحف العالمية، اتذكر في احدى المرات قمت بزيارة الى فرنسا في منطقة جوسي، دخلنا في بناية وهي عبارة عن متحف خاص بالخشب فقط، وكانت البناية مؤلفة من اربعة طوابق، الطابق الاول يضم اجهزة ومايكروسكوبات وعلماء يقومون بدراسة انواع الخشب، حتى ان هناك انواعا من الخشب عمرها يتجاوز آلاف السنين، فيدرسون التغيرات المناخية التي طرأت على الخشب، وعندما خرجنا من هذا المتحف وعلى مقربة من هذه البناية دخلت بناية اخرى هي بناية لمتحف متخصص بالصوف، فتفاجأت حقيقة مما معروض في المتحف من انواع متعددة ومختلفة وقديمة للصوف، وبعدها دخلنا الى متحف آخر هو متحف الحياة الطبيعية، فلديهم المئات من المتاحف كالمتاحف العسكرية بين قديم وآخر حديث، فما اود ان اذكره ان كثرة وتنوع المتاحف لدينا هي سمة جيدة للبلد وتظهر للعالم اجمع الثقافة المجتمعية والتنوع الثقافي والزخم المعرفي، وليس ضروريا ان تكون متاحف اثرية فقط بل ان يكون لدينا متاحف في مواضيع متعددة، فلدينا ايضا هنا ولله الحمد العديد من المتاحف، فعلى سبيل المثال وليس الحصر يوجد في اقليم كردستان متحف متخصص بالجرائم التي ارتكبت من قبل النظام المباد والجينوسايد الذي ارتكب بحق الشعب الكردي، والمتحف تم انشاؤه في مديرية الامن السابقة ليبقى شاهدا حيا على تلك الحقبة المظلمة، تعرض فيه المدافع والاسلحة التي استخدمت آنذاك وملابس الابرياء العزل الذين تم اعدامهم، ما اود ان اقوله ان كل متحف لديه خصوصية واهمية قصوى ورائعة تمكنان الاجيال من التعرف على الثقافة والفولكلور والموروث، وما عاشه اجدادنا واباؤنا في تلك الحقب الزمنية". واضاف "ما يميز متحف التراث السرياني ايضا هو موقعه، اذا ماعلمنا انه يقع مقابل تل قصرا الاثري والذي تم التنقيب فيه من قبل اساتذة وخبراء ومتخصصين في جامعة صلاح الدين، وهو تل قديم، جزء منه يقع تحت الكنيسة، ويعود الى الفترات الآشورية، وتم اجراء الدراسات عليه ويضم العديد من القبور المسيحية، ما اعطى زخما آخر للمتحف، ويضم المتحف مواد متنوعة ومختلفة، ولمن يريد أن يتعرف على كيفية عيش الاسرة المسيحية قبل مئات السنين لا بُدَّ له من القيام بجولة داخل اروقة المتحف، وقد جمعت اغلب المواد المعروضة في المتحف من التبرعات لتحافظ على فترات وحقب زمنية، وتبقى شاهدا حيا للاجيال المقبلة".

آراء وتدوين


Banner