جمال العتابي ذاكرة المكان.. من «غازيَّة} الغراف الى مدينة «الحريَّة} البغداديَّة

الخميس 01 نيسان 2021 146

جمال العتابي ذاكرة المكان.. من «غازيَّة} الغراف  الى مدينة «الحريَّة} البغداديَّة

 عرض: عادل العرداوي 

 
أجد من الضرورة بمكان أن يبادر كل أديب او مثقف، او حتى من هو قادر على التعبير عن افكاره، أو من يمتلك اداة التعبير اللازمة، الى الكتابة او التأليف، عن المكان او المدينة او البيئة التي ولد وعاش وترعرع فيها، وذلك من باب التعريف بها اولا، والوفاء لها ثانياً، وثالثاً والأهم توثيق حلقة ولو صغيرة عن تاريخ وتراث جزء من وطنه.
هذا ما أقدم عليه الدكتور جمال حسن العتابي، الاديب والفنان، والخطاط والصحفي اللامع، الذي أصدر في عام / 2019 كتاباً بعنوان (داخل المكان/ المدن روح ومعنى) الصادر عن دار (سطور) بشارع المتنبي ببغداد.
فقد نثر العتابي وهو الحاضر والفاعل في المشهد الثقافي العراقي، وباسلوب روائي مسوق وسلس وعبر مفردة (ترفة) غير مستهلكة، موضوعات كتابه الممتعة والمفيدة حقاً، التي هي عبارة عن مشاهدات وانطباعات وذكريات شاهد عيان عاش اجواءها عن قرب، في أجواء الريف والمدينة، منذ نهاية ستينيات القرن العشرين المنصرم، حتى الوقت الحاضر، حيث بلغت عناوين موضوعاته (32) عنواناً لموضوعات قصيرة، توزعت بين مساحة (176) صفحة من الحجم المتوسط، ذكريات وانطباعات يشد خيط رقيق، من البداية حتى النهاية، الا وهو خيط الاحداث التي مرت به، في تلك الأمكنة والحواضر التي عاش فيها مؤلف المتاب وتآلف وتفاعل وتعاطف معها، وأصبحت جزءاً عزيزاً من من تاريخه وسيرته الشخصية والانسانية، لأنها أسهمت في تكوين شخصيته الثقافية والفنية والتراثية، فهو يبدأ من تلك القرية الفلاحية الصغيرة الواقعة على نهر الغراف "الغازية"، التي ربما تعود تسميتها الى عهد المرحوم ملك العراق الثاني (غازي) في ثلاثينيات القرن المنصرم، وهي المكان نفسه الذي ولد فيه، حيث كان والده (حسن العتابي) معلما، وكذلك صديقه المعلم عزيز السيد جاسم، في تلك المدرسة الريفية الوحيدة في تلك القرية نهاية خمسينيات القرن الماضي، حيث تم تغيير اسم الغازية بعد ثورة 14/ تموز / 2021، الى (ناحية النصر) التابعة ادارياً لقضاء الشطرة- لواء الناصرية (محافظة ذي قار) اليوم.
فعبر عناوين ( الغازية تتكلم روسيا وليلة البحث عن رشيد عالي الگيلاني، ومقهى محمد المدهوش، ومكتبة الغراف في الشطرة) وغيرها، حيث يصف لنا جمال العتابي صورا مؤلمة للحياة البائسة والفقيرة لتلك البيئة الفلاحية، التي كانت تحيط به، ومعاناته الشديدة التي كان يعانيها، وهو يافع صغير في ذهابه اليومي الى الشطرة، حيث مدرسته المتوسطة، من خلال ذلك الباص الخشبي المتهالك، الذي يعد وسيلة النقل الوحيدة والمتوفرة في نقل الناس وحيواناتهم ومستلزماتهم من القرية الى الشطرة وبالعكس، عبر طريق ترابي ينقطع عند هطول الامطار، وشديد الغبار في الايام الصافية، ومليء بالحفر و(الطسات) الرهيبة.
يصف واقع الحال الذي كان يعايشه باسلوب شيق وسلس يسحرالقارئ ويغريه بمواصلة مطالعة الكتاب.
وتأتي الانتقالة الاهم في حياة الكاتب ووالده واشقائه واسرته، بعد ان انتقل والدهم المعلم (حسن ) الى بغداد وتحديداً مدينة "الحرية" الواقعة شمالي غرب بغداد، حيث كان اسمها في العهد الملكي (مدينة الهادي) نسبة الى الوجيه والتاجر والوزير الراحل عبد الهادي الچلبي، حيث تغير اسمها هي الأخرى بعد تموز/ 1958، الى الحرية والتي مازالت كذلك..
لتشهد هذه المدينة تفتح فكر وذهن الشاب جمال على اشياء ومستجدات ومفاهيم وتيارات جديدة لم يألفها من قبل في (غازية الغراف)" لهذا نجد أن اجواء وبيئة مدينة الحرية وعلاقاته الاجتماعية مع اقرانه الطلاب وزملائه، الذين يلتقيهم في نواديها ومقاهيها، خاصة من الادباء والفنانين والشعراء والرياضيين، قد تركت اثرا كبيراً عليه.
وعلى هذا الاساس فقد كرس العتابي لاجواء المدينة التي احبها مساحة واسعة، بلغت بحدود نصف الكتاب عبر عنوان واحد "مدينة الحرية.. عمارة انسانية" تواصل عبر حلقات، وثّقت حركة هذه الحاضرة، من النواحي الاجتماعية والثقافية والسياسية والرياضية والتراثية، ومن خلال ذكرياته عن ساحاتها وشوارعها وعمارتها ومحالها ومقاهيها ومطاعمها ومدارسها وفرقها الرياضية، وأبرز الشخصيات الاجتماعية والثقافية، التي عاشت وترعرعت فيها وكذلك (شلة) رفاقه واصدقائه، الذين كان يقضي بينهم جل وقته.
ومن الوفاء لاستاذه الذي درسه في متوسطة الفجر في الكاظمية، نجد أن العتابي يخصص موضوعاً لذلك المدرس المتميز الشاعر والرسام والموسيقار (مظفرالنواب) تحت عنوان ( متوسطة الفجر في الكاظمية/ منصة أحلام مظفر النواب) وكما يشير العتابي فان المدرسة المذكورة في عام/ 1961 كانت تقع بناياتها في إحدى دور منطقة النواب السكنية في الكاظمية، يقول عن معلمه مظفر:"كنت منصتاً لصوت الانبهار الداخلي في نموذج المعلم، الذي لم اجد له شبيهاً له في مراحل دراستي الاولى، ولا اللاحقة، أراقب هذا القدر المتميز من الوقار الذي تحمله شخصية النواب".
ويضيف في مقطع اخر:
"كان الطلبة يتحلقون حول معلمهم مظفر النواب، اثناء الدر وخارجه، ويأوون اليه في ساعات مترعة بالحب والمعرفة، فيظفرون بجوهر جمال الروح واللسان، وهم يتنافسون لاقتناص لحظة الانتشاء الروحي، بحديث يجمع مفردات المنهج، واللغة والشعر والادب، وذاكرة نادرة بالكشف حد انارة الاعماق، قاعة الدرس بوجوده تتحول الى فردوس".
وهكذا تستمر انطباعات العتابي بالانثيال، عبر عناوين مغرية أخرى عن قيمة المكان ودلالاته عبر موضوعات مثل:( دار المعلمين الريفية، وشارع المتنبي- المعنى وجدل التأريخ، ويوم القبض على الخنافس، وجواد علي - الدقة في متابة التاريخ، وغانم الدباغ- لم يرحل الى أرض الصمت، وجيان.. الروائي والقاص العراقي.. الوطن رمز وحلم غامض ) وعناوين اخرى لايمكن الاحاطة بها جميعاً، وخلاصة القول:إنَّ ماقدمه الصديق العتابي الذي تربطني به زمالة عمل صحفي تمتد لقرابة ( نصف قرن) يعد وثيقة جديرة بالقراءة والاطلاع، وان تكون حافزاً ودافعاً للاخرين، ان يدونوا شهاداتهم وانطباعاتهم قبل ان تذوي الذاكرة وتضمحل.