كتبٌ فارغةٌ لإغناء المكتبات العراقيَّة

الثلاثاء 06 نيسان 2021 111

كتبٌ فارغةٌ لإغناء المكتبات العراقيَّة
رزميج بدريان
ترجمة: مي اسماعيل 
في الطابق العلوي من مبنى “دار الحكمة” بالشارقة استقر أكثر من ثلاثة آلاف كتاب على رفوف عدد من خزانات الكتب، ضمن فضاء معرض المركز الثقافي هناك. صفحات تلك الكتب فارغة، وكذلك أغلفتها المقواة وجوانبها؛ فهي تحاكي بياض الدقيق. أما الجزء الوسطي من ظهر الغلاف فيخلو من كل اشارة، ما عدا رقم “168:01” المطبوع بلون فضي شاحب. 
 
حبر في الماء 
تبدو الكتب مأساوية بفراغها؛ وكأن الدلالات التي ارتبطت بها منذ فترة طويلة قد استُنزفت، فلم تعد تقدم لقارئها رحلات من دون أن يغادر مكانه، لكن هناك أكثر مما تراه العين؛ فالكتب الفارغة هي كيان معرض عنوانه “168:01”؛ بمبادرة من الفنان العراقي- الأميركي “وفاء بلال” لإعادة تجهيز المكتبات المفقودة من الجامعات والمؤسسات العراقية، التي بات أغلبها خرابا بعد الغزو الأميركي للعراق سنة 2003. يأتي عنوان المعرض من صفحة مروعة اخرى في تاريخ العراق: حصار المغول لمدينة بغداد سنة 1258. ارتكب الغزاة المغول فظائع كثيرة أثناء الهجوم الذي قُتل خلاله عشرات آلاف الاشخاص؛ نُهبت الجوامع والمكتبات والمستشفيات ودُمرت. وكان الهجوم ضربة قاصمة للخلافة العباسية التي حكمت المنطقة منذ عام 750 م، وشكل نهاية لعصرها. يوضح الفنان بلال: “تقول الرواية إنه خلال الحصار المغولي ألقى الغزاة مجاميع الكتب الموجودة لدى “دار الحكمة” في نهر دجلة، وأن مياه النهر باتت تجري سوداء بالحبر لسبعة أيام؛ بعدما أذابت المياه الحروف من الصفحات”. ويمضي قائلا إن الجزء الاول من عنوان المعرض يشير لتلك الايام السبعة، أو- 168 ساعة التي قضتها الكتب في مياه النهر. 
يذكر بلال، الاستاذ المساعد في مدرسة “تيش- Tisch  “ للفنون بجامعة نيويورك، أن بعض الباحثين يفترضون أن تلك الرواية قد تكون محاولة لتصوير المغول على أنهم قوم لا يملكون إلا القليل من الذكاء والاهتمام بالمعرفة. ومع ذلك؛ وجد الفنان في تلك الرواية فرصة رمزية لمخاطبة قضية أكثر معاصَرة: قلة المصادر العلمية المتاحة لطلبة الجامعات. ويمضي قائلا: “فقدت كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد مكتبتها بالكامل خلال غزو العراق سنة 2003؛ إذ أضرم السارقون النار في المجموعة البالغة نحو سبعين الف كتاب، وحولوها الى رماد. وبعد نحو 17 عاما، لم تبق سوى بضعة كتب في المكتبة ليستعين بها طلبة الفن. 
 
“تعويض الخسارة”
استمد مشروع “168:01” اسمه من الدقيقة الاولى بعد الحزن المتجمع؛ وبدء مرحلة الكفاح للمضي قدما وانشاء جسر يربط الثقافات؛ بين العالم وطلبة واساتذة بغداد”. يقول الفنان إن الكتب الفارغة تقوم بمهمة “شاغل مكان”، وبينما يمثل بياض الكتب خسارة الثقافة؛ فهو ايضا دعوة للمشاهدين للمساهمة بتعويض تلك الخسارة: “وهكذا يصبح الكتاب الابيض أداة للتغيير؛ إذ يجري تشجيع المساهمين للتبرع بكتاب من احدى طاولات المعرض ووضعه على الرف بدلا من كتاب ابيض، ويكون الكتاب الابيض تذكارا لمساهمة المشارك في المشروع”. ويفترض بالكتب التي يجري التبرع بها ان تكون ضمن عناوين بحث عنها طلبة الجامعات، والتي تغطي عددا من المواضيع من تاريخ الفن الى المسرح والأدب العالمي؛ وهي متوفرة للشراء ضمن مساحة المعرض ذاته باسعار تتراوح بين خمسة دولارات الى 68 دولارا. تهدف المبادرة لاستبدال جميع الكتب (وعددها ثلاثة آلاف) بالعناوين المطلوبة، وبانتهاء أيام المعرض يفترض شحن الكتب المتبرع بها الى جامعات بغداد والموصل وبابل والمتحف الوطني العراقي. 
يقول بلال: “أعتبر “168:01” مشروعي الأول الذي يعكس ممارسات ما بعد الصراع؛ إذ يسلط الضوء على المهمة الهائلة للتصدي لتعقيدات التدمير الثقافي وإعادة البناء. يخاطب العمل مستقبل العراق؛ وحينما يتبرع شخص ما بكتاب فإنه يفتح نافذة للمعرفة والأمل لشاب عراقي”.
هذه هي المرة الأولى التي يصل فيها المعرض المتنقل الى المنطقة؛ بعدما اقامه متحف مؤسسة “أغا خان” في تورنتو (كندا) ومعرض الفنون في وندسور (بريطانيا). 
وهو أيضا المعرض الاستهلالي لدار الحكمة بالشارقة. يحوي المعرض مجموعة من ثلاثمئة ألف كتاب رقمي واعتيادي، وقاعات اجتماع وفضاءات للدراسة، وعدة مقاه ومطاعم؛ تقوم على مساحة 12 ألف متر مربع، في موقع وصف بأنه “مكتبة المستقبل”.