الرجل المعنَّف يخرج عن صمت التقاليد العشائريَّة

الثلاثاء 06 نيسان 2021 172

الرجل المعنَّف يخرج عن صمت التقاليد العشائريَّة
    عذراء جمعة
بعد طول انتظار من اجل اصلاح الحال انفجر داستان محمد حزناً عند تسجيله شكواه ضد زوجته التي تعنفه لفظياً يومياً منذ بداية زواجهما، الامر الذي جعله لا يصمد اكثر من ثلاثة اشهر، لينهي هذه العلاقة بالطلاق بعد الاستعانة بالمختصين والمدافعين عن حقوق الانسان، ولم يكن داستان الوحيد الذي يتعرض للعنف ولم تمنعه عاداته وتقاليده العشائرية من البوح بانه يتعرض للعنف من زوجته، بل يوجد العديد من الرجال الذين بدؤوا بالسعي الى الجهات المختصة لتسجيل شكواهم ضد النساء اللواتي اخذن يمارسن العنف بأشكال متعددة ضد ازواجهن بقصص وحوادث بشعة نسمع عنها بين الحين والاخر في معظم محافظات البلاد. 
الحقوق والواجبات
اول من بادر لإنصاف الرجل من العنف الذي يتعرض له من قبل النساء، هو اتحاد رجال كردستان الذي عندما جاءت الفكرة لاول مرة عند مؤسسه كانت مزحة الى أن تطور الامر وصار واقعاً ملموساً.
وبين رئيس اتحاد رجال كردستان برهان علي فرج "واجهنا تحديات عند التأسيس عام 2007، لأن المجتمع ما زال متمسكا ببعض العادات والتقاليد التي عفا عليها الزمن، لكن الاتحاد استمر وبدأ مشواره الذي تشكل من اجله في الدفاع عن رجال تعرضوا للعنف الاسري من خلال قضايا تعد على اصابع اليد، اما الآن فيتابع العشرات من القضايا في اقليم كردستان والمحافظات
 العراقية".  
موضحاً أن "الاتحاد اسس للدفاع عن حقوق الرجال مثلما النساء لديهن الكثير من المنظمات للدفاع عن حقوقهن، اذ  بعد تسجيل الشكوى من قبل الرجل يتم البحث من قبل الاتحاد للتأكد من المعلومات التي وردت فيها وتحديد اسباب المشكلة من قبل الاعضاء، في الجوانب النفسية و الدينية
 والقانونية".
ولفت الى "وجود نوعين من الشكاوى، النوع الاول هو انه توجد مشكلة ويتم التحاور من اجل حلها ويتم التراضي من دون تسجيلها في المحكمة، والنوع الثاني تكون الشكوى مسجلة في المحكمة وينظر بالقضية من اجل انصاف الرجل واخذ واقعها القانوني"، منوها بأن "الاتحاد مقره في محافظة السليمانية ويعد الوحيد في العراق ولولا الظروف الاقتصادية لكان له فرع في اربيل ومن المفترض أن تكون له فروع في النواحي والاقضية. 
نظراً لورود الشكاوى الينا بشكل يومي وهذا دليل على زيادة الشكاوى بشكل كبير، ومن اهم اسباب هذا العنف سوء الوضع الاقتصادي والقيود التي فرضت بسبب فيروس كورونا، والمواطن العراقي وضعه غير مستقر، لذا يعاني من المشكلات
 الاسرية".
غير مسجلة
وقال فرج  "على الرغم من انتشار ظاهرة العنف ضد الرجال في مجتمعنا بصورة بارزة، الا ان القانون مازال هو السائد في التفاوض وحل النزاعات الاسرية بدلا من اللجوء الى حلول قد تكون نتائجها سلبية على الطرفين".
موضحاً "رغم تطور القوانين نجد بعض الناشطين يطالبون بتغييرها، اذ يرون فيها نوعا من الاضطهاد للرجل ودعما اكبر للمرأة"، مشيرا الى أن "الاتحاد يقوم بعقد الندوات التثقيفية، الا انه الان وبسبب قيود جائحة كورونا بدأنا بعرضها من خلال وسائل الاعلام، (الفضائيات والراديو) لتعريف الرجال بما عليهم من واجبات وما لديهم من حقوق"، مؤكدا "ان الاحصائيات المسجلة لدينا رغم زيادتها سنويا، الا انها لا تمثل سوى الحالات التي يتم توثيقها، اذ يوجد الكثير من حالات العنف ضد الرجل ولكنها غير مسجلة".
 
عقوبات تقديرية
رجال الدين لم يكونوا بعيدين عن ظاهرة العنف الاسري وهذا ما ركزوا عليه من خلال خطب الجمعة واثناء المناسبات الدينية لما لهذا الامر من اهمية في بناء اسرة مستقرة تتمكن من دعم ركائز
 المجتمع.
ويرى رئيس اتحاد علماء الدين الاسلامي في كردستان الدكتور عبد الله ويسي أن العنف الاسري بشكل عام له اسباب كثيرة من اهمها عدم التوافق الثقافي والطابع العشائري او ان بعض النساء يقمن بممارسة العنف الجسدي على الزوج بسبب المسلسلات والافلام التلفزيونية وبعض من وسائل الاعلام التي تؤثر سلبا بسبب التقليد لبعض المجتمعات بشأن العنف الاسري، لافتا الى قيامهم بدور التثقيف وتقديم النصح للمتزوجين الجدد، فضلا عن حل المشكلات بين الازواج والوصول الى حلول مرضية للطرفين، بالاضافة الى اقامة الندوات التثقيفية وورشات العمل بين صفوف الطلبة والشباب من اجل توجيههم بمشاركة وسائل الاعلام لغرض الحد من العنف
 الاسري.
واكد ان بعض العقوبات في الاسلام هي عقوبات تقديرية او تعذرية يقدرها القاضي مثل العنف الاسري اذ لم يصل الى حد القصاص، اذ تركت السلطة التقديرية للقاضي لأن الاسلام يؤكد على الاحسان بين الزوج والزوجة ويأمرنا الله بعدم ايذاء احدهما الاخر، مسترشدا بقول الرسول الكريم محمد "ص"(خيركم خيركم لاهله)، لذا فدور الاسلام سواء في القرآن او السنة النبوية او اقوال الصحابة كله ينصب في المعاملة الحسنة بين الازواج من اجل تكوين اسرة صالحة تهيئ افرادها لخدمة 
المجتمع. 
 
قانون لحماية المعنَّفين
 وفي اقليم كردستان تم تشريع قانون مناهضة العنف الاسري رقم (8) لعام 2011 الذي يعد الاول من نوعه في البلاد، اذ يجرم 13 حالة من حالات الاعتداء الاسري، ويفرض عقوبات رادعة على كل مرتكبي هذه الجرائم وتتم محاكمتهم من قبل المحكمة المختصة، وتتباين الآراء بخصوص هذا القانون ما بين القبول او تعديل بعض فقراته اذ يرى البعض أن بنوده تتعارض مع طبيعة المجتمع الكردي العشائري نوعا ما، بينما يرى البعض الاخر انه القانون الوحيد الخاص بتنظيم الحياة الأسرية في الإقليم لانه يختص بحماية كل أفراد الأسرة من التعنيف والتعامل السيئ ويجرم من يقوم بذلك إن كان أبا أو أماً، ولكن ما يعاب عليه انه لا يحدد كل طرف من أطراف الاسرة على جهة ويهتم بحمايته من العنف والاعتداء، بل هو قانون شمولي، ولا تزال هناك مساع في برلمان اقليم كردستان من اجل اجراء التعديلات على القانون بما يتلاءم مع التطورات والمستجدات على الحياة الاجتماعية للمواطنين أو سن قانون
 جديد.
 
العنف بأشكاله المتعددة
يبقى للقانون الدور الحاسم في حل جميع قضايا العنف الاسري، لانه المرشد للرجل لمعرفة ما له من حقوق لاسترجاعها ومنع العنف ضده.
وقال المحامي اكو شارشوي من القسم القانوني في اتحاد رجال كردستان "ان العنف ضد الرجال نستطيع أن نؤشره ليس كحالات فردية، بل تعداها ليكون ظاهرة اجتماعية موجودة بصورة عامة في عموم البلاد، وهي في ازدياد بشكل لافت للنظر، ويتخذ العنف اشكالا مختلفة، منها الانتحار، القتل، الاحتيال او الطرد من البيت، فضلا عن عنف نفسي وجسدي وجنسي، ويحصل بشكل كبير ضد الرجال الكبار في السن والشباب في فترة الخطوبة من اجل تنفيذ حالات الاحتيال كالمباغتة واخفاء الشخصية الحقيقية للمرأة من اجل استحصال مكاسب مادية مثل المهر المؤجل والهدايا، والخيانة الزوجية هي شكل من اشكال العنف ضد الرجال واخذت حالاتها تزداد في هذه الايام مقارنة مع الاعوام الماضية".
ولفت الى "وجود المادة رقم (7) في قانون الاحوال الشخصية في محاكم الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم للحماية من العنف، ولكن طريقة تنفيذها غير جيدة، اذ يدخل الجانب العاطفي في تطبيقها، ويتم السعي الى حل المشكلة وديا من خلال تدخل الاقارب او الاصدقاء"، منبها الى ان "الشكوى بمجرد تسجيلها من قبل المرأة ضد الرجل والتأكد من حدوثها يتم توقيف الرجل لمدة سبعة ايام وهذا التوقيف سيؤدي الى رفض الشخص من عمله اذا كان يعمل في القطاع الخاص، والآن يوجد الكثير من الرجال الذين يتعرضون للعنف باشكاله المختلفة، وعند تسجيل الشكوى يؤكد الرجل على السرية ولا يقبل بالكشف عن اسمه وهويته بسبب العادات العشائرية والمذهبية، لانه يبقى متمسكا بالعادات الاجتماعية ويتحمل هذا العنف الموجه ضده".
 
قانون متأرجح
وما زالت الى الآن مسودة قانون العنف الاسري تتأرجح بين اروقة البرلمان العراقي في الحكومة الاتحادية بعد ارسالها من قبل مجلس الوزراء بين جهات مؤيدة لها واخرى رافضة، اذ يرى الرافضون أن بعض بنوده غامضة وتضعنا امام مشكلات تهدد نسيج المجتمع العراقي وتحتاج الى تعديلات، ليكون ملائما ومعالجا للعنف الذي تتعرض له الاسرة العراقية، في وقت يرى مؤيدون له من الضروري المصادقة عليه وتشريعه، لينقذ المجتمع من العنف الاسري الذي بدأ ينهش بنيته بجرائم لم نسمع عنها من
 قبل.

آراء وتدوين


Banner