18 عاماً على سقوط الصنم

الخميس 08 نيسان 2021 224

18 عاماً على سقوط الصنم
 بغداد : محمد الأنصاري : مهند عبد الوهاب 
لم يكن يوم التاسع من نيسان 2003، يوماً كباقي الأيام في حياة العراقيين، فلقد سقط في ذلك اليوم الطاغية المجرم صدام وسقطت معه الدكتاتورية والاستبداد والهمجية التي رافقت حكمه الدموي لأكثر من 3 عقود، ورغم أن المشاهد التي نقلتها الفضائيات والوكالات إلى دول العالم من بغداد صادمة ومؤثرة، إلا أنها عبرت عن حقيقة ما عاناه الشعب العراقي المظلوم طيلة سنوات من القتل والتهجير والبؤس والخراب. 
يستذكر العراقيون يوم غد 9 نيسان، اللقطات الأولى لإسقاط تمثال "صنم" الطاغية صدام بساحة الفردوس في بغداد، ملايين منهم في داخل البلاد وآخرون مثلهم في المنافي وبلدان المهجر، لم يتوقعوا هذه النهاية المدوية الدراماتيكية للنظام الأرعن الذي ملأ أرض الرافدين بالموت حتى عادت مقبرة جماعية لمن مات كمداً أو قتلاً أو مرضاً، وباتت سجناً خانقاً للأحياء "الأموات" منهم، ولكن فرحة العراقيين بسقوط الصنم وخلاصهم إلى الحرية "تنغصت" وبقيت كذلك إلى اليوم بعد مرور 18 عاماً على الحدث، وهذه الفرحة "المنغصة" كانت لأسباب يطول شرحها، ويصعب إدراك ترابط أدواتها لذوي الألباب.
 
سقوط البعث
النائب الأول لرئيس مجلس النواب حسن الكعبي، أكدان "جرائم النظام المقبور لا يمكن نسيانها، كونها ضد الانسانية والحضارة"، وقال الكعبي في كلمة ألقاها خلال حضوره فعاليات مهرجان الشهادة الذي أقامته أمس الأربعاء، مؤسسة الشهداء تحت شعار (يوم انتصار الشهيد وسقوط البعث): إن "الذكرى المفجعة والحادثة الأليمة باستشهاد السيد محمد باقر الصدر كشفت الغطاء عن قبح منهاج البعث وعصابته الظالمة".
وأضاف أن "العراقيين عانوا طوال عقود من الجوع والحرمان والبؤس والارهاب البعثي، لا سيما أسر الشهداء والسجناء ومن تعاطف وعاش معاناتهم"،مشيراً الى أن "وقاحة النظام الصدامي دفعته للتعدي على المدن المقدسة في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، وجرائمه أثقلت كاهل العراق بالديون والدمار وانتهاك حقوق الانسان ودفعت الى تشظي المجتمع ومؤسساته".
وشدد النائب الأول لرئيس البرلمان على "وجوب إنصاف الدماء الطاهرة وحماية إرث الشهداء الكرام كالمقابر الجماعية التي يسعى البعث لطمسها"،واصفاًإياها "بالصرخة التي تفزع الطغاة وتوقظ الضمير الإنساني من سباته"، مطالباً "مؤسسات الدولة بتسليط الضوء ودعم البرامج عن تلك الحقبة الظالمة"، داعياً الرئاسات الثلاث والوزارات الى "دعم قانون مؤسسة الشهداء والشرائح المشمولة بأحكامه".
وراهن الكعبي "على وعي الشعب في رفض عودة الدكتاتورية وصد محاولة تزييف الحقائق وحرفها بشأن جرائم البعث"، مؤكداًأن "جميع تلك الجرائم لا يمكن نسيانها أو محوها وإن طال الزمن، كونها جرائم ضد الانسانية والحضارة والحياة الكريمة".
 
خلود الشهداء
إلى ذلك، قال ممثل الصابئة المندائية النائب نوفل الناشئ في حديث لـ"الصباح": إن "يوم تغيير السلطة الدكتاتورية الى ديمقراطية، يعد منعطفاً تاريخياً على مستوى التغيير الفكري والاجتماعي ومستوى بناء الدولة"، مبيناًأن "يوم التغيير وسقوط النظام الدكتاتوري، يمثل يوم خلود لقوافل شهداء العراق".
وأضاف، أن "يوم سقوط الدكتاتورية، يعد مرحلة دخول التغيير لمستقبل العراق وتوجهه السياسي، وإعادة بناء دوره الإقليمي والدولي باعتباره دولة لها تاريخ وإرث إنساني"، وبيّن أن "العراق يعمل اليوم من خلال الأدوات الديمقراطية في التعبير عن طموحه وحق التغيير عن طريق صناديق الاقتراع وعبرالآليات الديمقراطية، لذلك يعد هذا اليوم من أهم الايام في تاريخ الشعب العراقي بعد تحرره من الدكتاتورية وتحوله الى عملية ديمقراطية جديدة". 
ودعا النائب الناشئ، "الحكومة والكتل السياسية الى العمل على استثمار المرحلة، والتعامل وفق الآليات الدستورية والقانونية والديمقراطية التي تمثل العراق الجديد".
 
فرح وحزن
المتتبع لساعات ما بعد سقوط الصنم في بغداد، يدرك جيداً مدى الانشطار والانقسام الذي زرعه نظام البعث في داخل المجتمع العراقي، فالأغلبية كانت فرحة بسقوط صدام لأنها تخلصت من دكتاتور أرعن جثم على صدر العراق لأكثر من 3 عقود دمر معها كل شيء وترك بلداً عبارة عن حطام، وهناك من العراقيين من كان حزيناً لما يجري، وهؤلاء انقسموا إلى شطرين، أولهم "المرتزقة المجرمون" الذين تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء من أبناء شعبهم، فهؤلاء سقط سيدهم والمغدق عليهم بالامتيازات بينما كان الشعب يتضور جوعاً وذلاً ومع هؤلاء يمكن إدراج "المغرر بهم" بأساليب الدعاية الرخيصة،أما الشطر الثاني ممن حزن في يوم 9 نيسان فدفعته الحمية الوطنية والدينية والإنسانية لاستشعار الخطر القادم المتمثل بالاحتلال وما سيجره من ويلات.
خلال السنوات الـ18 الماضية، تبددت أحلام العراقيين وتلاشت، بل باتت أقرب إلى كوابيس تلاحقهم ليل نهار، بسبب الأخطاء الكارثية "المقصودة" أو "غير المقصودة" التي رافقت سنوات الاحتلال وما بعده في تشكيل العملية السياسية الجديدة، يقول الكاتب علي الزاغيني: "للأسف رياح التغيير لم تأت بما تشتهي سفن العراقيين، ربما هذا ما خطط له الأميركان ودهاة البيت الأبيض ومن يريد بالعراق سوءا، فسادَ الخراب والدمار وعمليات السلب والنهب لتطول جميع مؤسسات الدولة ووزاراتها إلا من أراد الأميركان حمايتها، لينقلوا للعالم صورة مشوهة عن العراقي ويعيدوا للأذهان حكاية (علي بابا) وتناسوا أن للعراق تاريخا عريقا وحضارة لا تضاهيها أي حضارة في أرجاء المعمورة، وخاصة تاريخهم الذي لايعرف سوى الدماء والعبودية".
 
فلسطينيون في سجون صدام
طالما تشدق رئيس النظام المقبور بالعروبة والدفاع عن فلسطين والحرص على مصالح العرب باعتباره "قائد الأمة العربية"، إلا أن الواقع يقول عكس ذلك، فلقد عمد النظام إلى شراء الذمم وأقلام المرتزقة في عدة بلدان للتمجيد به وتقديمه للشعوب العربية بتلك الصورة الزائفة، ولعل من أبرز الشهادات التي تفضح كذبة "بطل التحرير القومي"، هو كتاب "فلسطينيون في سجون صدام" للكاتب الفلسطيني أحمد أبو مطر الذي جمع ووثق شهادات العشرات من الفلسطينيين الذين ذاقوا كأشقائهم العراقيين من كأس الموت الصدامي.
يقول الكاتب أبو مطر: "كانت قضية فلسطين وما زالت طوال الستين عاماً الماضية الورقة الرئيسة في أيدي الحكام، يلعبون بها لتبرير هزائمهم وجرائمهم، وضمن مسيرة هؤلاء الحكام، انفرد الديكتاتور المجرم صدام، منذ تفرده بالسلطة عام 1979، باستعمال هذه القضية غطاءً لسياساته العدوانية الخارجية، وجرائمه الداخلية التي راح ضحيتها ما لا يقل عن مليونين من العراقيين، بجميع إنتماءاتهم: عرباً وأكراداً، مسلمين ومسيحيين".
ويضيف الفلسطيني أبو مطر: "رغم هذا التضليل، فإن الشعب الفلسطيني نفسه، لم يسلم من جرائم هذا الطاغية، ففي هذا الكتاب التوثيقي، نقدم شهادات لعدة مواطنين فلسطينيين، أدخلتهم أجهزة الطاغية وبعلمه، سجون النظام وزنزاناته، من دون أي أخطاء أو جرائم ارتكبوها، وفقط ليقول للجميع، أنه لا يخاف أحداً، وكذلك الفلسطينيون الذين يتاجر بقضيتهم، هؤلاء الأشخاص، يروون تجاربهم الأليمة، بأسمائهم وصورهم، بذكر جميع التفاصيل من أسماء سجانيهم إلى أماكن أقبية سجنهم، مع ذكر تواريخها وجميع وقائعها، والهدف من تسجيل هذه الشهادات ونشرها، هو كشف جانب مجهول من جرائم هذا الطاغية، ولتوضيح حجم الإنجاز الذي تحقق بإسقاطه ونظامه في التاسع من نيسان 2003، ثم اعتقاله في الثالث عشر من كانون أول 2003".
 
الحروب الكارثية
أما مزاعم صدام بدفاعه عن العرب والعروبة، فلقد انكشفت بصورة فاضحة في 1990 عند احتلال قوات النظام دولة الكويت الشقيقة، وتشريد شعبها والمقيمين على أرضها، ما أدى إلى انشقاق كبير في صفوف الشعوب والدول العربية مازالت آثاره المدمرة إلى اليوم.
يقول الكاتب طه رشيد: "سقط الصنم ليسقط معه نظامه المدجج بالسلاح وبأفكار زائفة عن الاشتراكية والحرية والأمة، وشعارات جوفاء عن قضية العرب الأولى، فلسطين، وعروسها القدس، مع أن ذلك النظام كان السبّاق بالمساهمة في ذبح فلسطين".
كانت أولى جرائم النظام الخارجية، هي حربه على الجارة إيران التي دامت ثماني سنوات منذ 1980 وأهلكت الحرث والنسل وتركت البلد على حافة الإفلاس، وسقط فيها أكثر من 500 ألف شهيد عراقي ومثلهم من الأسرى وأضعافهم من المعاقين والمفقودين يتحمل دماءهم رأس النظام المجرم، أما الاقتصاد فحدث ولا حرج، حيث جرى إنفاق ما قيمته 500 مليار دولار على الحرب، بقيمة ذلك الزمن التي تعادل في الوقت الحالي 5 ترليونات دولار، كانت كفيلة بتحويل العراق إلى دولة متقدمة بكل المقاييس.  
 
آية الله الحكيم
من الشهادات التي نستذكرها في يوم سقوط الصنم، يرويها الشيخ حسين المياحي الذي يقول: "عند سقوط الصنم كنت متشوقاً لسماع ردة الفعل من آية الله المجاهد الشهيد السيد محمد باقر الحكيم، وقد حظيت آنذاك بشرف الحضور في مجلسه، كنت أتصور أنه يفرح مثلنا نحن الشباب الذين أصبحنا نهنئ بعضنا بسقوط الطاغية، فما عاناه الشهيد الحكيم، ووالده الإمام الحكيم بل أسرة الإمام الحكيم قاطبة، لم تمر به اي أسرة في العراق مطلقاً، كمّاً ونوعاً، جلس رحمه الله على المنبر، وكان هادئاً بشكل كبير، جادّاً في نظراته وحركاته وكأن شيئاً لم يحدث".
وتابع المياحي في وصف كلمات الشهيد الحكيم: "أما في حديثه السياسي فدعا كثيراً إلى الاهتمام بالمرحلة الآتية، ولم يشغل نفسه بالحديث عن (الماضي) فضلاً عن كلمة (شماتة) واحدة"، وأضاف "بعد أشهر، حصل ما حصل لأبناء صدام، وشاع الخبر في العراق، ومن الطبيعي أن يفرح المظلومون بما حصل، ونقل لي أحد أقربائه المقربين–أي أقرباء الشهيد الحكيم- قائلاَ: عندما بلغه الخبر، وأراد بعض أفراد حمايته إظهار الشماتة بطريقة ما، قال لهم السيد: (نحن لا نشمت بالمصائب، إلا أننا نقول الحمد لله الذي كفى الناس شرهم، فالمصائب تصيب الجميع وليس من شيمتنا ولا من أخلاقنا الشماتة)"، وهذه كانت أخلاق النبلاء من معارضي النظام الحقيقيين، لا أخلاق الجلافة والإجرام التي تربى عليها صدام وزبانيته.
 
خيبة أمل
رغم ما سبق، إلا أن خيبة الأمل كانت كبيرة بعد السنوات الأولى لسقوط صدام لدى العراقيين، وبدأت تكبر يوماً بعد آخر، فأحلامهم التي كانوا يمنون النفس بها بعد زوال حكم البعث، انهارت بفعل تداخلات كثيرة، وتقول السياسية والبرلمانية الكردية السابقة سروة عبد الواحد في تغريدة على "تويتر" قبل عام مضى: "9 نيسان سقوط الصنم وولادة أصنام (....) ونحن بانتظار الحرية والديمقراطية والحياة الكريمة والمساواة والعدالة، 9 نيسان لم يغير سوى دكتاتور غبي عاش على دماء شعبه،ومازال الشعب يعاني منذ أعوام من الطائفية وزرع الفتن والقاعدة وداعش والفساد وحكم (....) العائلية".
 
سيرة إجرامية
ماذا يتذكر العراقيون من صدام!؟، فلنجري جردة بسيطة للتركة الثقيلة التي خلفها ووقعت على كاهل الشعب المنهك والمظلوم أبد الدهر: إعدامات جماعية للعلماء ورجال الدين والفكر، إعدام الرعيل الأول من البعثيين من رفاق دربه والذين رفضوا تحويل الحزب إلى "عصابة عشائرية"، إعدامات بالجملة لكل المعارضين من إسلاميين ويساريين وقوميين، إعدامات على الشبهة لعشرات الآلاف من العراقيين، إعدام أكثر من 200 ألف عراقي في الانتفاضة الشعبانية 1991، حروب (إيران والكويت ومن ثم أميركا وحلفائها) وما سببته من دمار وخراب للبلاد لن يمحى في يوم من الأيام، تهجير وقتل (الكرد الفيليين، التركمان، الأكراد، سكان أهوار الجنوب)، وأخيراً جلب الاحتلال للبلاد المنكوبة في 2003.
مخطئ من يظن أن صدام ونظام البعث أجرم بحق طائفة أو قومية دون أخرى، فمذبحة ما يسمى بـ"ثورة الدراويش" في الفلوجة عام 1974 شاهدة على إجرامه بحق أبناء الطائفة السنية، أضف إلى ذلك، إعدام أكبر قيادي بعثي وهو عبد الخالق السامرائي، وإعدام شيخ قبائل العبيد رجل الدين المعروف الشيخ ناظم العاصي في الحويجة وإعدام الشيخ عبد العزيز البدري من سامراء واللواء محمد مظلوم الدليمي واسرته واللواء الدكتور راجي التكريتي والقتل الجماعي للضباط في ما يسمى بمؤامرة "الضباط الجبور"، وعشرات من الجرائم الأخرى.
تلك هي "بعض" من جرائم الطاغية المقبور، ناهيك عن إغراق العراق في وحل الديون المترتبة على مغامراته الحمقاء بما كلف ثروة طائلة هي من حق أجيال الشعب العراقي، والخراب الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والثقافي الذي خلفه الطاغية.. ويبقى الشعب العراقي حالماً بغدٍ أفضل، ويحكم القدر والتاريخ بأن الطغاة يرحلون ويبقى العراق 
والعراقيون.