وهم الغبطة الحضارية

الخميس 08 نيسان 2021 178

وهم الغبطة الحضارية
عدنان أبوزيد
 
صقل الإنجاز الحضاري، سلوك الكثير من الشعوب، التي تترفّع عن التفاخر والتباهي، أمام الأمم الأخرى على الرغم من إنجازاتها الحضارية العظيمة، ورقيّ شعوبها في التفكير والسلوك والعمل، بعد أنْ انشغل المواطن فيها تماما عن الجدل والتنظير، بالخلق والابتكار، فلم تعد الغبطات اللغوية، والتباهي بالماضي، تشغله عن نهاره الذي يقضيه سعيدا في العمل، وعن ليله الذي يستمتع به بعيدا عمّا يشغله من سفسطة وتأويلات تنشغل به شعوب تعيش على التخاريف التأريخية، والحضارية، ومنهم العرب، الذين ينغمسون في تفسير الكلام، ونسبة عبقرية الإنسانية الى تأريخهم، وحتى المخترعات الحديثة لم تسلم من ذلك، اذ ينسبونها الى كتبهم، وماضيهم، في وقت يعيشون فيه على ابتكارات الغرب وسلعه ومنتجاته، ويستمدون من ثقافته، لكنهم يصرون في أحلام فكرية، وقياس مركّب من الوهميات، على انهم  الأفضل والأحسن، من دون 
برهان.
وبينما يتقّن العرب ومنهم العراقيون، لسان التبجّح والتفاخر والتباهي، والمباهلات المموّهة، وقد برعوا فيها، ايّما براعة، وزادتها شأوا، تقنيات الفيديو، ووسائل التواصل، حيث التلاعب بالألفاظ وتقويل التأريخ، لطمس الحقائق، ينحسر ذلك كليا في دول الغرب، حيث الفرد فيها مشغول بالإنتاج المادي والفكري الحقيقي المركِّز على تحسين مستوى الحياة.
الذين يعيشون في الغرب، يعرفون كيف تراجع التفاخر بشكل كبير، وتلاشت الدعائيات الفردية والجمعية، بل ان اية محاولة للتباهي يتم تدميرها بوحشية وسخرية، ومن ذلك إنك لن تجد بريطانيا يفخر بالمستعمرات الكثيرة 
لبلاده، 
والابتكارات الصناعية التي رفدت بها العالم، حيث قواعد التواضع الإنكليزية تلعب دورا في هذا السلوك.
كما لن تجد ألمانيّا يفخر بالمخترعات والإنتاج، ومساهمة العلماء الالمان في إنجازات العلم، ومن الصعب ان تكتشف هولنديا، يغني نشيدا لتاريخ بلاده ومستعمراتها. وعدا الأناشيد الوطنية للبلاد، انحسرت الأهازيج والقصائد التي تمجّد الزعماء والعِرق، والأمة، والماضي التليد.
بل ان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، نال الكثير من النقد والهجوم، لأنه كان صاخبا متفاخرا بالأمة الاميركية، وأصبح التباهي الذي كرّره أكثر من مرة، مدعاة للتسلية والتهكم. ولربما يجد ترامب في تباهيه بأمته، مبررا على اعتبار ان بلاده هي الأقوى في العالم، اذ غالبا ما يرتبط الكبرياء بالجبروت، لكن ما الدواعي التي تجعل امما ضعيفة ومتأخرة تفخر بنفسها، عبر الماضي المنفصل عن الحاضر. 
ان تجاوز الشعور بالدونية لن يكون بالافتخار والزعم القائم على خيالات التفوق، او في البحث في الأطلال، بل على الحاضر المتفوق القادر على اثبات الوجود والمنافسة، والرشد في ان تعرف الأجيال تاريخها وثقافتها بالقدر الذي يشكل جذرا وعمقا، من دون اعتبار التاريخ وتراث الأمة حقائق مقدسة لن تطال مثلها الأمم الأخرى.
الكبرياء الفارغ يولد من رحم الافتخار الكاذب والاستدلال القائم على الخداع والمغالطة الذي يوقِع الكثير من الشعوب في شرك الكسل والنرجسية، حين ترى أنفسها عملاقا وهي القزم.