المؤتمر الذي أثار حركات التحرر الأفريقيَّة

الثلاثاء 13 نيسان 2021 102

المؤتمر الذي أثار حركات التحرر الأفريقيَّة
  إيرومو إيغبيجيول
ترجمة: بهاء سلمان
حدث سنة 1960 لوحدها احتفال 17 دولة أفريقية باستقلالها عن المستعمرين السابقين؛ فمن موريتانيا إلى مدغشقر، كسبت الحركات الوطنية انتصارها، مضاعفة تقريبا اعداد الناس داخل القارة السمراء الساكنين ضمن دول مستقلة.
لا يعد التغيّر الهائل على هذه الشاكلة محض صدفة، ولم يشرع أي أحد في لحظة يمكن تحديدها على وجه الدقة. لكن لأجل فهم أحداث 1960، علينا العودة الى كانون الأول 1958، لتلك الحادثة الأهم من بين جميع الأحداث: أحد المؤتمرات. شهد الثامن من كانون الأول في أكرا افتتاح أول مؤتمر على الإطلاق لجميع الشعوب الأفريقية. وأسفرت الاتصالات التي تمت، عن إثارة حالات الغضب وتحشيد الجماهير طيلة الإسبوع اللاحق بعد سنتين فقط حيث تحوّلت موازين القوى العالمية.
 
انطلاقة التحوّل
قبل ذلك بسنة تماما، صنعت غانا التاريخ كأول دولة من دول جنوب الصحراء الكبرى التي خلّصت نفسها من براثن المستعمر. وأثناء خطاب تنصيبه شهر آذار 1957، تحدث رئيس الوزراء كوام نكروما عن اشتياقه ليس فقط لتحقيق حرية بلاده، بل لكل منطقة مستعمرة عبر أفريقيا، “لا يعد استقلال غانا ذا معنى ما لم يرتبط بالتحرير الكامل للقارة جمعاء”، قالها نكروما أمام حشد من الناس.
بالتالي، عمل نكروما بجد، الذي كان يعد الزعيم القوي عبر أفريقيا، مع كبير مستشاريه للشؤون الأفريقية، وهو مثقف تريندادي اسمه جورج بادمور. وكان الرجلان سابقا قد تم تعزيز إداناتهما الخاصة بمجلس عموم أفريقيا بمدينة مانشستر البريطانية سنة 1945. وتجدد أملهم سنة 1957 لرؤية الضوء مجددا، ومساعدة الثوريين المفترض بهم أن يكونوا بمواقع القيادة لاحقا لتحقيق أهدافهم.
حضر مؤتمر الشعوب الأفريقية مئات الوفود من 28 دولة ومستعمرة أفريقية، كما تواجد ممثلو ما لا يقل عن 65 حركة تحرير وطنية؛ وكانت هذه هي المرة الأولى التي يلتقي بها الكثير من قادة حركات التحرر ببعضهم البعض، يعملون كشبكة واحدة، ويستمدون القوة والخطط الستراتيجية في ما بينهم.
ترأس المؤتمر توم مبويا، 28 سنة آنذاك، ومنظم اتحاد تجاري مستقل صار لاحقا وزير العدل الكيني، ويعد أحد العرّابين المؤسسين لشرق أفريقيا، وكان الفيلسوف فرانتز فانون من جزر المارتينيك حاضرا، وهو الذي لعب دورا نشطا في حرب استقلال الجزائر من فرنسا، وحضر أيضا باتريس لومومبا، الذي صار لاحقا أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية المستقلة حديثا.
عملت قدرة نكروما على عقد المؤتمرات أيضا على جلب الثوار من نياسالاند وروديسيا الشمالية والجنوبية، المعروفة حاليا بملاوي وزامبيا وزيمبابوي، في جنوب القارة. وضع المشاركون شعارات “إرفعوا أيديكم عن أفريقيا”، للدلالة على استعدادهم للتحرك ضد الاستعمار. وفي غضون عقد من الزمن، أعلنت كامل القارة تقريبا استقلالها.
 
صدى عالمي
عكس المؤتمر ما كان يدور خارج القارة أيضا، فقد حضر عدد من المراقبين الأميركان الأفارقة، بضمنهم شخصيات إعلامية واجتماعية معروفة، علاوة على مراقبين آخرين قدموا من الولايات المتحدة. مثل لهم المؤتمر مصدر تحفيز للمشاركة في سلسلة منتديات أخرى للتداول بالحقوق المدنية وتحرير السود على نطاق عالمي.
بالنسبة للقوى الاستعمارية، كانت تنظر للمؤتمر كتهديد، وهو ما كان عليه بالفعل. أدت دورات متتالية عقدت في تونس والقاهرة طيلة السنوات اللاحقة، إلى تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية سنة 1963. وتمت مراقبة الأشخاص الحاضرين لتلك المؤتمرات عن قرب، وتم تقييد سفرهم أحيانا. وبحسب المؤرخ بروكس مارمون من جامعة ادنبره، ساعد هذا التصرّف “الدول الاستعمارية على تقويض الروابط الانتقالية بين الحركات التحررية”.
صارت غانا العدو رقم واحد بالنسبة للدول الأوروبية الرامية إلى الإبقاء على مستعمراتها. وبحلول سنة 1966، ساند الرئيس الأميركي ليندون جونسون إنقلابا عسكريا، نفذه بعض ضباط الجيش الغاني ضد نكروما أثناء غيابه عن البلاد في مهمة سلام. فذهب الزعيم المخلوع الى منفاه في غينيا، حيث أطلق عليه لقب (الرئيس المشارك) بمعية أحمد سيكوتوري.
في نهاية المطاف، تمزقت حركة عموم أفريقيا، قطعة أثر قطعة. 
يقول غمبا كاكاندا، محلل السياسة الخارجية المتخذ من أبوجا مقرا له: “لا تزال أفريقيا مقيّدة اقتصاديا، بالتالي فمهما كان كفاحهم، ورغم كونه يعد نبيلا، لم يحقق سوى نجاحات نصفية”. وبينما منح مؤتمر الشعوب الأفريقية قادتهم التفويض لإحداث فرق داخل بلدانهم، فعلى المدى الطويل، أراد الكثير منهم التمسك بالسلطة، وغالبا ما مدت لهم المصالح الغربية المساعدات العسكرية لإعانتهم على تنفيذ ذلك. ويشكك كاكاندا بوجود أي مستقبل لحركة عمومية لأفريقيا لمرحلة عالم ما بعد الاستعمار.
لكن للحظة ما، وهي لحظة حاسمة، حفّزت تلك الحركة ولادة جيل كامل من المقاتلين لأجل الحرية.