سياسة بايدن تجاه روسيا قد تتبعها نتائج سيئة

الخميس 15 نيسان 2021 182

سياسة بايدن تجاه روسيا قد تتبعها نتائج سيئة
  بوني كريستيان
 
ترجمة: أنيس الصفار
كشفت مقابلة مع “جو بايدن” أجراها مقدم البرامج “جورج ستيفانوبولوس” من وكالة أنباء “أي بي سي” في منتصف شهر آذار الماضي عن أن خطط الرئيس الأميركي للعلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا تمثل مزيجاً غريباً من البراغماتية والاندفاع بلا تبصر. وعندما تحدث بايدن عن السيطرة على الاسلحة النووية وغير ذلك من الشؤون المتعلقة بالمصالح القومية المشتركة، أبدى توازناً وحصافة، إذ قال إنَّ ثمة مواضع سيكون من صالح الطرفين فيها أن يعملا معاً. وأضاف: “لهذا السبب وافقت على تجديد العمل باتفاقية ستارت .. لأن تضييق فرص حدوث تبادل نووي سوف يكون في صالح الانسانية كلها الى ابعد الحدود.”
 
 
لكنه عندما انتقل الى موضوع الأمن السيبراني والتدخل بالانتخابات بدأ يتخلى عن الموقف العملي الدفاعي، منتقلاً الى اسلوب التهديدات غير المحددة، قال إن موسكو قد ارتكبت أموراً سيئة ابان انتخابات 2020 وكذلك الاختراق الذي صار يعرف باسم “الرياح الشمسية”. نعت بايدن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” بـ”القاتل” وتوعده بأنه سيدفع الثمن “وشيكاً” من دون أن يحدد ذلك
الثمن.
هذا الاسلوب قد يبدو للوهلة الأولى أقرب الى الموازنة ما بين التعاون والمواجهة، ولكنه عند إمعان النظر فيه لا يخلو من مجازفة، ومن شبه المؤكد انه لن يكون مجدياً إن لم نقل أنه قد ينطوي على خطر مستقبلي.
نبدأ بمسألة التدخل بالانتخابات. لقد ذكر مقدم البرامج “ستيفانوبولوس” أن مجلس المخابرات الوطني نشر تقريراً بالغ الأهمية في شهر آذار الماضي يتحدث عن نوايا ومحاولات لاعبين أجانب للتأثير على الانتخابات الفيدرالية الأميركية 2020 والتدخل فيها أو محاولة تقويض الثقة الشعبية بالعملية الانتخابية في الولايات المتحدة من أساسها. اتهم ذلك التقرير بوتين بأنه اعطى الإذن للوكالات الحكومية الروسية بتنفيذ “عمليات تأثير” لاعتراض سبيل ترشح بايدن وإثارة الشكوك حول النظام الانتخابي الأميركي وتعميق الانقسامات السياسية بين اوساط الجمهور الاميركي.
لكن النقطة الحاسمة هنا هي أن التحقيق لم يعثر على أدلة تؤكد وجود لاعبين أجانب (ولا حتى روسيا) حاولوا بالفعل تغيير أي من الجوانب الفنية للعملية الانتخابية في أميركا 2020: لا في سجلات الناخبين ولا الادلاء بالاصوات ولا جدولة التصويت أو إعلان النتائج. أي أن كل ما أذن به بوتين باختصار لم يتعدَّ الدعاية المنسقة القائمة على تغريدات وافكار متناقلة وطرح مواضيع للمناقشة ومقابلات عبر شاشات التلفزيون وكل ما من شأنه التلاعب بمشاعر الأميركيين واستغلال سذاجتهم، أي أن البنية التحتية للانتخابات نفسها لم تتعرض لأي هجوم مباشر عليها.
هذا من شأنه ان يجعل كلا الانتقام والردع مسألة صعبة. من المتوقع الآن ان يصدر بايدن عقوبات جديدة ضد روسيا استجابة منه لما ورد في ذلك التقرير، ولكنه حتماً لن ينتظر من موسكو ان تغير خطها حول هذا الشأن. العقوبات وسيلة مفضلة في السياسة الخارجية الأميركية، ولكن التاريخ يثبت أن قدرة هذه الوسيلة في التأثير على سلوك الدول الأخرى ضعيفة الى حد لا يمكن تخيله، وهذا يصدق بشكل خاص حين تكون الحكومة المستهدفة على اقتناع تام بأنها تنتهج سلوكاً يصب في صميم مصلحتها الوطنية، وليس من الصعب تصور ان يكون بوتين قد خلص حتماً الى ان التأثير في الانتخابات الرئاسية لأعظم دولة في العالم، لابدّ أن يصب في صميم مصالح روسيا، بل ان روسيا في الواقع تخضع حالياً لمئات العقوبات الأميركية وقد اعتادت على تجاهلها الى حد كبير.
ماذا عن الاختراق المسمى “الرياح الشمسية”؟ كان هذا خرقاً سيبرانياً اكتسح عدة وكالات فيدرالية أعلن عنه في اواخر شهر كانون الأول الماضي ويعتقد ان موسكو هي الطرف الذي يقف وراءه. هنا ايضاً كانت العقوبات هي رد بايدن المتوقع، ولو ان انتقاماً سيبرانياً من نوع ما قد يكون قيد النظر ايضاً. 
من الواضح ان هناك أمورا لم تستوفِ حقها من الدراسة، فموارد الأمن السيبراني الأميركي يصير توجيهها نحو تأمين وتعزيز الحماية للاهداف الرقمية الحكومية وإحباط أي هجمات قد تشن في المستقبل، يفيد تقرير لوكالة رويترز ان تسعة من كل عشرة دولارات تنفقها واشنطن على البرامج السيبرانية تذهب للجهد الهجومي، مثل اختراق أنظمة الحاسبات المعادية والتنصت على الاتصالات وتطوير وسائل لإقعاد او اضعاف البنى التحتية عندهم. هل لنا أن نعجب بعد ذلك إذا ما وقع اختراق من قبيل “الرياح الشمسية”؟ هذا الانفاق غير المتوازن يكاد يكون دعوة صريحة للتدخل الاجنبي، والأجدر ببايدن ان يرد على العدوان الرقمي الروسي باستنهاض قدراتنا الرقمية “الدفاعية”.
بدلاً من ذلك يبدو بايدن مصمماً على المضي في مواجهة العدوان بالعدوان. لا شك ان بذل مساعٍ للتواصل في مواضع أخرى سوف تخفف من حدة هذا الموقف بعض الشيء، مثل قرار بايدن الذكي بتجديد اتفاقية ستارت، ولكن هل سيكون مثل هذا التخفيف كافياً؟ فالولايات المتحدة تنفذ عمليات عسكرية في سوريا وأوروبا الشرقية على ساحات تشاركها فيها روسيا على الجانب المقابل، وكلتا الدولتين قوة نووية. من المستبعد ان يسفر التعثر هنا عن تورط بحرب نووية، ولكنه ليس مستحيلاً، وعلى بايدن ان يجعل التهدئة هدفه لا التوترات غير المجدية، وحسن الرد على روسيا هو نقطة المرتكز للدبلوماسية والدفاع معاً.
 
عن موقع “ذي ناشنال إنتريست”