الارادة الاقتصادية

الأحد 18 نيسان 2021 167

الارادة الاقتصادية
 د.مصطفى كامل رشيد
 
عانى الاقتصاد العراقي قبل العام 2003 من حصار اقتصادي تسبب بتدهور خطير في العلاقات الاقتصادية بين الانشطة والاطراف المتعاملة في الاقتصاد المحلي، فحالة الانكفاء على الذات لم تجر بطريقة اقتصادية سليمة تعزز الاعتماد الذاتي على الموارد الاقتصادية وتشبع حاجة الاسواق المحلية ولم تتمكن من مجاراة الطلب الكلي، والحال بعد عام 2003 لم يكن بالمستوى الذي كان كل عراقي يطمح اليه، وحتى بعد استئناف تصدير النفط الخام وانتهاء الحصار الاقتصادي، بقيت العديد من المشكلات الاقتصادية الكلية عالقة، من دون حل الى يومنا هذا ويأتي في مقدمتها ريعية الاقتصاد واستدامة الاختلال الهيكلي في الناتج.
إنَّ الاقتصاد العراقي اليوم بأمس الحاجة الى ارادة وطنية يتفاعل فيها الجمهور مع الحكومة من اجل انقاذ الاقتصاد العراقي من مشكلاته المتجذرة الموروثة والمستجدة، كما يحتاج الى ادارة جيدة للموارد الاقتصادية، اذ ينعم الاقتصاد العراقي بالعديد من الموارد الطبيعية منها «الفوسفات، الزئبق، النفط، الغاز الطبيعي، الطاقة الشمسية، موارد مائية، تربة خصبة وغيرها»، والموارد البشرية «مخترعون، علماء، أكاديميون، محترفون، هواة وغيرها». ممكن تطويع هذه الموارد في خدمة الاقتصاد المحلي، والذي من شأنه معالجة ومواجهة العديد من مشكلات الاقتصاد الكلي. توجد العديد من المحاولات الجيدة من قبل القطاعين العام والخاص، التي تروم الى مواجهة العديد من التحديات بايجابية، ولكن البيئة الاقتصادية والسياسية غير المستقرة تحد من هذه المحاولات وتضعها عند حدود ضيقة، فهنالك العديد من المبادرات التي قدمتها الحكومة من اجل دعم الاقتصاد، ولكن العديد منها لم يبدأ، والاخر لم يستمر لمدة طويلة لاسباب تتعلق بضعف الرؤية العامة من اجل تحديد نقاط الضعف في المنظومة المؤسساتية العامة والخاصة، ومواجهتها بمهنية وقدرة صادقة، ما تسبب باستشراء الفساد الاداري والمالي، والذي ألحق ضررا فادحا ببنية الاقتصاد العراقي، وهدر الفوائض المالية التي كان مقدرا لها ان تبني الاقتصاد العراقي.
ان استمرار حالة عدم اليقين في مناخ الأعمال بسبب ضعف تطبيق القانون والتسلط في عمل واداء القطاع الخاص، تسبب بطرده من الاقتصاد ما تسبب بضخامة القطاع العام، وترهله واستشراء البطالة المقنعة وضعف الانتاجية، فضلا عن ضعف المقدرة المالية الحكومية في مواجهة هذه الالتزامات الهائلة. ما ادى الى استدامة الدين العام وضعف كبير في الايرادات الضريبية، بسبب ضعف دور القطاع الخاص المولد للاستثمار والعوائد الضريبية.
كما إن ضعف روابط الانتاج وتدهور البنى التحتية، جعل من الصعوبة بمكان الارتقاء بانشطة انتاجية تلبي الطموح، الامر الذي ساعد على استمرار حالة تخلف الانتاج وارتفاع معدلات البطالة بين صفوف الشباب، والاتكاء على الاستيرادات «الاستهلاكية، والاستثمارية» من اجل سد النقص الذي تسبب به اختلال الناتج وتزايد الطلب المحلي الكلي، ما تسبب باستنزاف الاحتياطي من النقد الاجنبي لدى البنك المركزي العراقي لمواجهة الطلب الخاص على النقد الاجنبي لاغراض 
الاستيراد.  لذلك نجد مشكلات الاقتصاد الكلي تتضح من اعلاه بانهاء مترابطة بشكل وثيق مع بعضها، وان عملية ازالة جزء منها تأتي على حساب تدهور الجزء الآخر. لذا فإن العراق اليوم بامس الحاجة الى ارادة وطنية حرة ونزيهة وصادقة باتجاه تبني مشروع الوطن، بدلا من المصالح الفئوية، لان مستقبل العراق يبدأ من اليوم والجميع يتحمل المسؤولية تجاه بلده، فلا بدَّ من اعتماد منهج وطني اقتصادي ايجابي بنّاء يدعم الاستقرار الاقتصادي اولا والاستقرار السياسي ثانيا، وتبني المصداقية والشفافية الحكومية في ادارة الاقتصاد والموارد الطبيعية بما يدعم الانتاج المحلي وبيئة الاعمال وسيادة التوقعات التفاؤلية من قبل الجمهور. وان يراجع مرارا وتكرارا القرار الاقتصادي بشكل موضوعي قبل الشروع به، من خلال تحليل منافعه وتكاليفه المجتمعية، بشرط عدم مساسه للسلم المجتمعي ولا يحفز الموجات التضخمية وحركة المضاربة في الاسواق المحلية، من خلال ادارة رشيدة للشأن الاقتصادي يتضمن الحرية والتدخل البنّاء في آن واحد، من اجل دعم الاقتصاد والمحافظة على ثروات البلاد من النضوب والهدر والاستنزاف، وان دعم الاقتصاد المحلي من شأنها أن يعزز مواجهته للازمات والاضطرابات الاقليمية والمحلية والدولية على نحو جيد.