شهرٌ أوله بهجةٌ وأيامُه صبرٌ وختامُه ظفرٌ

الاثنين 19 نيسان 2021 76

شهرٌ أوله بهجةٌ وأيامُه صبرٌ وختامُه ظفرٌ
  مرتضى صلاح
مع حلول مساء بداية كل شهر يتجمع الناس لمراقبة خيط رفيع لا يكاد يظهر، حتى يختفي خلف السحاب أو وسط ما تبقى من حمرة ضوء الشمس التي تغيب مع الغسق. هذا الخيط الرفيع هو هلال شهر رمضان، الذي يشعر معه المؤمنون بجمال الولادة ومعنى بداية الحياة وكيفية حفاظ الانسان على مسيرة حياته منذ الولادة وحتى الختام.
 
وهذا اللقاء هو يشبه الى حد ما  عهد الوفاء بين المولود والشهود. لكن المولود هنا هو سيكون الشاهد على مى التزام الشهود بعهد رمضان، فكأن الهلال يذكرهم بدعوة روحانية للحفاظ على شعيرة الصوم في الشهر المعظم، فبالصوم تطمئن النفوس الى ربها فتعلو روحية التقوى، وينشط العمل لجعل الخير ثمنا مدفوعا مقدما لكي تصبح النفس في خير وعافية بفضل الالتزام بطاعة الله والالتزام بحلاله وتجنب حرامه، وتلاوة كتابه والتدبر فيه. فلهذا الشهر فضيلة عظيمة، فإن لم تكن له ميزة سوى نزول القرآن فيه لكفاه فخرا وتفضيلا على بقية الشهور. والصوم فيه أحد أركان الاسلام الذي يهذب النفوس ويسمو بالارواح من زخرف الدنيا وشهواتها، وهو شهر العبادة والاطعام والمروءة والرفق بالضعيف.
ومن هنا ينبغي جعل هذه الفريضة معينا لعلاقة الناس مع بعضهم وترسيخ الروابط الاجتماعية وضبط النفس تجاه الاخرين، الذين لا يدركون قيمة هذه الأيام، وإشاعة جانب التعاون مع الجميع. فالصوم طريق لتحقيق مكارم الاخلاق ورفع قيمة النفس المؤمنة وسموها سلوكا وعبادة وطاعة لله، ومنه نتعلم نكران الذات وترك المصالح الشخصية. ففي هذه العبادة نقاوة للذات وتحرير للنفس من شوائب حب الذات.
نحن نشعر أن شهر رمضان قيمة روحانية تأخذ بذات الصائم الى بر السلامة والامان والنأي بها عن ارتكاب المعاصي، بل وتشجع الانفاق على الضعفاء وتفقد المعوزين تطبيقا للآية الشريفة (وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله..) البقرة.
وشهر رمضان جعله الباري جل وعلا كالظل على عباده في موسم الفيض الإلهي والعطاء الرباني فيعم الناس ذلك النور وتلك البركة، فترى النفوس قد هدأت ولهاثها للملذات قد سكن؛ طمعا بأن تسجلها الملائكة مع الطائعين المتقين، فهو موسم مغفرة يعلن فيه العصاة والغافلون توبتهم الحقيقية لله، وهو ميدان احسان يتسابق فيه المحسنون إلى ربهم وبما افاء الله عليهم من نعمة الوافرة وفضله العظيم.
فصيام رمضان وان كان في ظاهره حرمانا للنفس من ملذات الطعام والشراب وغيرها من متع الحياة، لكنه في الواقع أشبه ما يكون محطة لترشيد طاقته، فترى فيها مرحلة هدوء الجسم عن تناول ما يشتهي وتتحول النفس خلال تلك الفترة من اسيرة لملذاتها إلى خزين من الصبر على مطالبها، ويكتشف فيها الانسان قوته في مواجهة نفسه وقواه المادية، مستعينا بما يتركه الصوم فيه من صراع ارادة وقوة على اجتياز الامتحان، وبعدها يلتفت الى أن قوته الجسدية ما زالت بخير فيزداد قناعة بنجاح امتحان اليوم الأول وهو فرح بمواجهة الضعف أمام مطالب الذات والتخلص من الذنوب وتطهر القلوب من أدران الشبهات ثم تسمو مع نداء الأذان نحو عالم الكمال والنور والحوار والمناجاة مع الله. 
فالصوم يعلم النفوس كيف تصبر ويغرس فيها معاني البر والاحسان والرحمة، حتى اذا جاع المعتاد على الشبع وشعر بالحاجة للإفطار جاءه أذان المغرب، فيقبل على الله في لحظات الشكر لاجتيازه اليوم الأول بنجاح، فقد قهر الجوع وقهر معه كل شهواته الأخرى وتوجه لخالقه شاكرا وحامدا على أن جعله يعرف قيمة نفسه. 
فالمسلم حين يصوم يشعر مع نفسه بقوة الجوع والعطش والفاقة والحرمان الذي يعانيه أخوانه الفقراء وضعفاء الحال، كما ويتذكر المحرومين في العالم الآخر من نعيم الاخرة في الجنة بسبب تقصيرهم مع انفسهم ومع خالقهم، نتيجة لتأثير المادة في قراراتهم واستبداد الشهوات بأنفسهم، وتغلب روح الأنا على انفسهم. وعندها يتذكر هذا الصائم الجائع ربه بخشوع، ويناجيه في هيبة ورهبة ويتجه للسماء متضرعا رافعا يديه طالبا من خالقه الرضا وقبول الأعمال وغفران الذنوب، وقبل أن تهبط يداه ويمسح بهما وجهه يستذكر عبارة من الادعية تقول: ربنا وفقنا لطاعتك ومرضاتك واجعل خاتمة أمورنا خيرا.