حمود حسين كعيد.. صائغ الورد على جيد القصيدة

الاثنين 26 نيسان 2021 355

حمود حسين كعيد.. صائغ الورد على جيد القصيدة
 سعد صاحب 
اميل للشعراء المبتعدين عن الاضواء، وعن المهرجانات الصاخبة، ربما شاعر الظل هو الاكثر ابداعا، وهو الذي يستحق منا الوقوف ازاء تجربته الشعرية، وأن ننتبه اليه في مماته، اذا فاتنا الانتباه في حياته ومجرياتها الخاصة، وهذا افضل من النسيان الكامل.
 
وعلينا التعامل مع هذه النماذج باعتبارها اصواتنا الصادحة، او ارواحنا التي تشعر باحساسنا بصورة دائمة، (انه الوفيت ما خليت / نفذه بمنسج ايامج / يمر منها عتابج والكه تقصيري / وجذب هذا التكولينه / يا طير النكر جنحه / واكولن طيري مو طيري / اجيتج جنح المسكه / ادك روحي اعلى شاطيج / والعبلج لعب ما جاده ابد غيري)، لم تكن قصيدته متعالية على هموم الجماهير المنسحقة، ولا هي ناسخة للواقع بشكل روتيني رتيب، ولشاعرنا قدرة جيدة لمعرفة ما يدور بداخل الانسان المجروح، وكذلك كان ماهرا بالتقاط الصور الموجعة، ليدخلها بمشغله الابداعي، ومن ثم يقوم بتحويلها الى قصائد محكومة بالذوق الفني الراسخ، (ولا باب انفتح غفله / صفينه ميتمه الجلمه / عطش جرح الامس / كلساع من لجمه / يهل شايل فرح للناس / ناسك فاكده البسمه / يلبجفك شمس تطوي / ظلام الليل ليلك طال مشواره / جم ليل الخطه اخياله / عليك وضاعت اخباره)، في كل اشعاره تجد الحب حاضرا بقوة، ولا يمكن اخفاؤه بين طيات السطور، فهو يتحدث عن وجد قديم، متسرب في كل مسامات جسده المتعب من ثقل الاشواق، يحن الى عشق اصيل طواه الزمان، وحينما يستحضره يعيش كل التفاصيل من جديد، وكأنه على موعد مع الحبيب الان، وليست هي محاولة عابرة لاستعادة ذلك الماضي الجميل، (جا وين الصبر يا بو الصبر والهم / خلك وافي وجرح ملجوم ما يلتم / ما يرهمله التضميد بس شدك تره اليرهم / احبك واليجب دنياك ما يندم / يا نسمه بليالي الصيف بيك احلم / يا كل العمر واطعم)، يجهر بثوريته المتمردة على الشعارات الزائفة، ويطمح بحياة حرة ومواطنين سعداء، يعيشون احرارا في دولة كريمة، بشرط الا يفضلوا مصالحهم الخاصة على كرامة الوطن، وان تكون الوطنية المعيار الحقيقي للانسان، مع القليل من المال والفرح والهدوء والسعادة، (دلونه نريد انعيد ويا الناس / مره نلبس الوردي / مو غمك جرح العراقي وفاض / فاض وما يكيش بيه كل مردي)، النصر في شعره ليس على عدو او صديق، بل هو انتصار على الذات الجامحة، وسعادته الكبرى حين يتم ترويضها بشكل مناسب، اما الانتصارات والهزائم الاخرى، فهي من اختصاص العساكر والحكام والامراء، (اه يا روحي اهم بمواكحج ويزيد / وانتي بحلم معشاره / وهذيج انتي حنينه / شما تعز طيوفه واخباره / تزوكين الشمس عذرين لعيونه / وترديني بطرك موال / يا موال اهي دورة حياة / ويحرك البسمار زنجاره)، كتابات عفوية من دون تزويق لفظي، او دوران في عوالم غرائبية لا تمت للشاعر بصلة، واغلب افكاره تدور ما بين المتعة الحسية واللذة والغرام، واستذكارات الماضي البعيد، او الحديث عن شجون الوطن المبتلى بالجراح العميقة، (واه يل كلبج شمرني / بلا شريعه بلا وصيه / اعطش بعين الملامه / وارتوي بكاس الغضب حد الندامه / يا ندامة عمر ضايع / وصار لعيون العذل موضع علامه)، لا يدعي المعرفة الفائقة، ومجسه الشعري يتوهج بالعشق ووحشة الغربة وقوة الالم والهزة العنيفة والفجيعة، وخياله لا يتعدى الواقع العراقي بجزأيه الريفي والمديني، اما الكونية وسواها من المصطلحات البراقة، فقد تركها لمن يريد الخوض فيها، (احلف بيك ما انساك / يا هامك علو هام الثريه وعينك النجمات / ما اسكت واعوف ارباك / عفت صوتي ويا حادي الليل / يتغنه بطواري الفات / واوديلك طواري الطيب بالنسمات /  تحجيلك بعض كلمات)، صورته الشعرية اقرب الى العقل الرصين، وابعد عن المخيلة المضطربة، شاعر ينأى بنفسه عن الانفلات الحر غير محسوب الخطى، ولا يعاني من التوقف المفاجئ او التعطيل الذي يدوم طويلا، وكل ما يحتاجه القليل من التأمل العاقل ليكمل بقية القصيدة، (تلني جرحك اه جرحك / ذبني بهيمة عطش ما بيها جاري / واحضنت شوك البراري / وما لكيت بروحه ماي / وارضعت صبرين ملحه / وما طفت بضلوعي ناري / جنت اظن جتك اخباري / وتكطع افجوج الفله وتوصل الداري).