محلّات بغداد تحافظ على موروثها في الشهر الفضيل

الخميس 29 نيسان 2021 120

محلّات بغداد تحافظ على موروثها في الشهر الفضيل
  مرتضى صلاح    
        
اعتاد الناس أيام زمان في بغداد وبقية مدن العراق الاستعداد لهذا الشهر. والتزاما بوصايا النبي الأعظم (ص) بالاهتمام بالضعفاء في هذا الشهر، يستشعر البغداديون عظمة إفطار الصائمين، فكانوا يتنافسون لإقامة ولائم الإفطار الجماعي في المساجد والبيوت أحيانا حتى يتمكن الفقراء من مواصلة شهر الصوم حيث يشعر الأغنياء بمرارة الفقر والجوع. فعند دخول وقت الإفطار تبدأ المساجد بإقامة الأذان. وبعد الإفطار يبدأ الناس وخاصة الرجال بالتزاور في ما بينهم لقضاء ليال ممتعة ومسلية مع الأهل والأصدقاء، وبعضهم يذهب إلى المساجد ومراقد الائمة لإقامة الصلوات وقراءة القران ومواصلة الأدعية في رحاب هذا الشهر الفضيل، ومنهم من يذهب إلى المقاهي الشعبية المنتشرة في محلات بغداد لحضور لعبة المحيبس المشهورة، التي تمارسها المقاهي منذ مئات السنين حيث يضم كل فريق من الفريقين أهل المحلة أكثر من عشرة لاعبين ويستغرق اللعب بها وقتا طويلا يغطي ساعات السهر، وتتلاحق كلمة (بات) بموسيقاها الأدائية انتهاء جولة لكي تبدأ غيرها، وتعلن أحيانا بنوع من التحدي وإحراز النصر فيسود المرح ويتعالى الفرح، وكان منظمو لعبة المحيبس يقدمون للمشاركين والجمهور الحلويات وهي غالبا ما تكون (الزلابية والبقلاوة)، وقد ساعدت هذه اللعبة على تقوية أواصر المحبة والطيبة وتوطيد الأخوة والصداقة بين العراقيين حيث يتساوى الجميع وتتلاشى الفوارق. وفي المقاهي البغدادية أيام العثمانيين كان الناس يصغون إلى حكايات (القصخون) الذي كان يروي بطولات عنترة وأبي زيد الهلالي وسيف بن ذي يزن، خاصة مقاهي الجوبة والفضل وباب الشيخ والدهانة ومقاهي الفحامة وكان الاطفال يذهبون في تلك الليالي إلى مقهى عزاوي في محلة الميدان ليشاهدوا ألعاب (القره قوز) وألعاب (خيال الظل) وهي تماثيل من ورق تحرك بخيوط من وراء ستار، يتخللها هزل وفكاهة، ليقضوا أوقاتا ممتعة. والعاب خيال الظل كانت معروفة قبل الحرب العالمية الأولى، إذ اشتهر (راشد أفندي) بادارة العاب خيال الظل في مقهى عزاوي بالميدان. ومن تقاليد شهر رمضان عند انتصافه تظهر فرق ( الماجينة) من الصبيان والبنات يحملون أكياسا من القماش ويتجولون في محلتهم مرددين: (ماجينة يا ماجينة، حل الكيس وانطينا).
وحين يشعرون باليأس من عدم إعطائهم يهددون قائلين (ياهل السطوح تنطونه لو نروح) فتخرج صاحبة الدار وتعطيهم الحلوى. ومن تقاليد الشهر الفضيلة ايضا المسحراتي الذي يقوم بإيقاظ الصائمين متطوعا وقت الأسحار وهو ينادي بأعلى صوته (سحور .. سحور.. سحور) ثم يتبعها مناديا بنغم ثابت ( اصح يا نائم ووحد الدايم). والمسحراتي تحول إلى جزء من طقوس شهر رمضان، وغالبا ما يتوارث المسحراتي هذه المهنة عن أبيه وأجداده ويكون شخصا معروفا وأمينا من قبل سكان المحلة، وعند حلول العيد يبدأ بطرق أبواب أهل المحلة لكسب الإكرامية أو العيدية. ومن أهم التقاليد القديمة في الشهر الكريم هي مساعدة فقراء المحلة لإعانتهم وزيارتهم، حيث اعتاد أهل المحلات رصد أموال خاصة وجمعها لتذليل الصعوبات المعايشة للأسر الفقيرة كذلك أعانة الأرامل والأيتام في هذا الشهر.