من نفحات الصيام معرفة حقيقة الإيمان

الخميس 29 نيسان 2021 120

من نفحات الصيام معرفة حقيقة الإيمان
  حسن عودة الماجدي
كثيرة هي للغاية الأحاديث المروية التي تصف الانسان بمختلف النعوت الايمانية وتجليات الشروط الفعلية مع التباين الايجابي بين حديث وآخر بالمدى الفاعل بين الناس على مختلف المذاهب والديانات. وفي هذا لا نقصد التمايز في الزّي المميّز او ما يظهر به المؤمن من الميسور في البهرجة والتشبث في مزايا العبادة في أعين العامّة، بل نبحث عمّا يتمتع به من صفات المؤمن الصادق للثوابت الروحية في اعماقها السوقية التي أمن بها وبالله وباليوم الاخر وبما انزل على قلب النبي (ص). 
ومع ذلك، لم تتم معرفة سيرورة التشخيص للانسان المؤمن الاّ بتجسيد السلوك والتصرف والمعاملة العادلة بين ابناء البشر وبموجب المعطيات الانسانية في الحقوق والاحكام الشرعية ومحدداتها الاعجازية، وليس كما يبدو من خلال المظاهر الخطابية الفارغة والمغلفة بالعناوين والمزايا النادرة، والتي تتمحور اطاريحها عن المذاهب والديانات وفقاً لما تمليه النّفس الامّارة بالسّوء من اجل المصالح والمغانم للدنيا الفانية. فقد ظهر ذلك جليا الى حيز الوجود في الوقت الراهن بما لا يقبل التأويل والشك، حتى اختلط الحابل بالنابل واختفى سم الخياط من خرم الابرة وبات الناس حيارى من امرهم ومن الصّعوبة بمكان التمييز بين الصالح والطالح. ثم سئم الجميع عروض الواعدين للخير والانسانية والعبادة الصادقة، وقد شخص الله تبارك وتعالى صفات المؤمن الصالح في سورة الفرقان بقوله: (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا). وقال الرسول الاكرم (ص) في المؤمن (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه)، وقال الامام علي (ع) في المؤمن (ان أمرنا صعب مستصعب، لا يحمله الاّ عبد مؤمن امتحن الله قلبه للايمان، ولا يعي حديثنا الاّ صدور أمينة وأحلام رزينة).
وقال ع في وصف آخر للمؤمن: (الْمُؤْمِنُ بِشْرُهُ  فِي وَجْهِهِ، حُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ، أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً، وَأَذَلُّ شَيْءٍ نَفْساً، يَكْرَهُ الرِّفْعَةَ، وَيَشْنَأُ السُّمْعَةَ، طَوِيلٌ غَمُّهُ، بَعِيدٌ هَمُّهُ، كَثِيرٌ صَمْتُهُ، مشْغولٌ وَقْتُهُ، شَكُورٌ صَبُورٌ، مغْمُورٌ  بِفِكْرَتِهِ، ضَنِينٌ  بِخَلَّتِهِ سَهْلُ الْخَلِيقَةِ  لَيِّنُ الْعَرِيكَةِ  نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ، وَهُوَ أَذَلُّ مِنَ الْعَبْد).
لذلك نفهم كما ينبغي للمؤمن بأن الصفات المذكورة هي التي أطّرت الايمان أصلاً بعد أن لامست شغاف القلب، اذ احيا مواتها وجدد عزيمتها وأعدها بطاقة من القوة والحيوية وأنار الطّريق الى العقل والحكمة الالهية، اذن ندرك بأن المؤمن هو الذي اقرّ باللّسان وصدّق بالجنان وعمل بالاركان بعد أن جسد ركائز الايمان الذي قال عنه الرسول الاكرم (ص) بأن (الايمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل، والايمان أساس العمل وصلة الايمان بالعمل كصلة الاخلأق بالسلوك)، اذ انّ الايمان ليس علماً يدرس ولا فناً يمارس ولا مهنة تمتهن ولا يلتمس في ثنايا الكتب، بل هو قوّة معنويّة تفيض على القلب بالنّور والقوّة وجذوة توقظ الهمم وتبعث في النفوس الحركة والعمل. ففي سؤال للامام علي (ع) عن الايمان، قال (في نهج البلاغة الجزء الثاني): إنّ الايمان على أربع دعائم على الصّبر واليقين والعدل والجهاد، ولنذكر من تلك دعامة الصّبر من قوله (ع) الصّبر على أربع شعب الشّوق والزّهد والترقب فمن اشتاق الى الجنّة سلا عن الشّهوات ومن أشفق من النار اجتنب المحرمات، ومن زهد في الدّنيا تهاون بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات.