توم الأعمى.. «الظاهرة الموسيقيَّة} من العبوديَّة الى النجوميَّة

الثلاثاء 11 أيار 2021 219

توم الأعمى.. «الظاهرة الموسيقيَّة} من العبوديَّة الى النجوميَّة
 انتوني توماسيني
 ترجمة: ليندا أدور
 
في شهر آيار من العام 1849، كانت تشارتي ويغينز، العبدة في مزرعة بولاية جورجيا الأميركية، في الثامنة والاربعين من عمرها عندما أنجبت طفلا ذكرا، أسمته توماس، الذي ولد أعمى، فخشيت أن يعده الرجل المالك أنه عبء بلا فائدة قد تكون عواقبه وخيمة، اذ لم يكن قد مضى وقت طويل عندما تم عرض أفراد أسرتها الخمس للبيع بهدف تسوية بعض من ديون مالكها. ناشدت ويغينز الجنرال جيمس نيل بيثون، المحامي المناصر للعبودية والمحرر في صحيفة بمدينة كولومبوس، بجورجيا، عبر إلتماس جريء، لإبقاء أسرتها معا، فما كان منه (ربما من باب الشفقة) الا أن يوافق على طلبها، فقام بشرائهم، اذ لم يكن يتخيل أن «عبيد ويغينز» سيدرون عليه ثروة. ففي غضون عقد، أصبح توماس «ظاهرة موسيقية متنقلة»، اذ وصل مقدار ما يجنيه سنويا الى 100 ألف دولار، أي ما يعادل أكثر من مليون دولار في يومنا هذا، وهي كافية لأن تضعه بين أفضل فناني عصره
 
تحت اسم «توم الأعمى»، بدأ بعزف مؤلفاته ومقطوعاته الخاصة، يرتجل بعضها على البيانو، كاشفا عن مهارات خارقة في استنساخ وإعادة عزف المقطوعات التي يسمعها نفسها، سواء كانت كلاسيكية ام أغاني شعبية. كان يجيد حيلا اثناء العزف كأن يعزف معزوفة معينة بيد ويعزف أخرى باليد الأخرى، في الوقت الذي يغني فيه أغنية ثالثة. كان بإمكان توماس إعادة خطب السياسيين التي سبق وان سمعها قبل أشهر، مقلدا ذات الإيقاعات الصوتية للمتحدث، حتى وإن كانت بلغات أجنبية لا يجيدها. في سن السادسة عشرة، وفي جولة أوروبية له، حظي توماس بإشادة وثناء من كبار الموسيقيين، اذ وصفه الملحن وعازف البيانو البوهيمي (التشيكي) إيغناز موشيليس، بـ»الظاهرة الفريدة غير القابلة للتفسير»، بينما عدّه عازف الكمان النرويجي أولي بول بأنه «فلتة من فلتات الطبيعة»، كما حظي بإعجاب الكاتب مارك توين. ورغم موهبته المذهلة، كانت غالبا ما ترافق حفلاته الموسيقية مشاهد غريبة، اذ كان لدى توماس عادة لف وتحريك جسده من حين لآخر اثناء العزف، ففي الوقت الذي وصفه البعض بـأنه «اعجوبة العالم» نعته آخرون بالأحمق، بل وحتى المعتوه، ربما لأنه كان يعاني من طيف التوحد. 
كان القليل فقط من الأموال التي يجنيها توماس تذهب اليه مباشرة، لأن بيثون كان قد وقع عقدا مع  مروج عروض طموح، وحتى بعد نيله حريته، بقي ويغينز خادما لبيثون الذي أصبح في ما بعد الوصي القانوني عليه. 
 
الحداثة قبل أوانها
يلف حياة توماس ويغينز الغموض وخلق الاسطورة الاستغلالي، ففي صغره، كان، بالكاد، يستطيع السير أو التعبير عن احتياجاته، لكنه كان مهووسا بالأصوات، كالمطر والرياح وأدوات الجلبة وأواني المطبخ وصياح الديوك وقعقعة السلاسل والتصفيق والصراخ والأغاني والموسيقى، بشكل خاص. في أحد الأيام، وبدون سابق إنذار، بدأ ويغينز يعزف مقطوعة على البيانو كان قد سمع إحدى بنات بيثون تتمرن عليها، لتبدأ مذّاك، مسيرة «توماس الأعمى» التي استمرت نحو 50 سنة.
 حظي توماس وأعماله الموسيقية باهتمام متزايد في القرن الحادي والعشرين، بضمنها سيرته الذاتية المليئة بالمعلومات التي كتبتها ديردري أوكونيل ونشرت في العام 2009، كما تم تسجيل نحو 14 عملا من أعماله ومقطوعاته الموسيقية في العام 1999، مثل «أوليفر غالوب» و»فرجينيا بولكا» و»عاصفة المطر»، التي ألفها وهو في الخامسة من عمره،  تستحضر أنماطا من القرن التاسع عشر الكلاسيكية وموسيقى الرقص.
من بين أهم المقطوعات التي ألفها ويغينز، قبل تجاوزه سن الرابعة عشرة، هي «معركة ماناساس» (وتسمى معركة بول رن الأولى)، فعلى مدى ثماني دقائق، هي مدة العمل، يستحضر فيه أول انتصارات الجيش الكونفدرالي، وهو الحدث الذي تم سرده لويغينز بالتفصيل، وقد وصف أحد الموسيقيين المقطوعة بأنها «الحداثة قبل أوانها».
 
رجل معقّد
 يفسّر الملحن جورج لويس في إحدى مقالاته الصحفية، التناقض الواضح لمؤلف موسيقي «أسود»، ولد في العبودية، يحتفل بلحظة انتصار للكونفدرالية، بأنه يمكن سماع هذا العمل اليوم على أنه: «توقع بانهيار ذلك النظام». في السيرة الذاتية تقول أوكونيل انه من خلال أعماله يمكن سماع: «تعبيرات لا حصر لها لرجل معقّد استمع الى عالم مضطرب من حوله وعكس ذلك في نغم».
بحلول منتصف ثمانينيات القرن التاسع عشر، حدثت انعطافة مشجعة في حياة ويغينز، عندما توفي جون، (إبن بيثون)، جراء حادث، وقد كان هذه هو القيّم على ويغينز والمستغل الأول له، وذهبت، بعدها، إليزا بيثون، أرملة جون الناقمة (والمستاءة نتيجة لاستبعادها) على وصيته، الى المحكمة في محاولة منها لانتزاع ويغينز من أسرة بيثون بهدف الحصول على حق وصايته، وهي الدعوى التي لقيت دعما من والدة توماس. وبالفعل نجح ذلك المسعى وفازت إليزا.
لم يرق الأمر لتوماس، اذ لم يكن راضيا عن الوصي الجديد عليه، فقد رفض، بشكل خاص، مع بعض الاستثناءات القليلة، العزف على مدى العقدين التاليين، حتى وفاته سنة 1908، في شقته وسط هوبوكين ضمن ولاية نيوجيرسي، قبل أن يتجاوز سن التاسعة والخمسين، وقد يكون هذا هو التحدي الأخير لشخصية لطالما كانت حياتها وأعمالها غير مستقرة وغامضة وقهرية وتستحق المزيد من الاهتمام.