السيناريو وطبقة اللغز الأنثوي

الثلاثاء 11 أيار 2021 1137

السيناريو وطبقة اللغز الأنثوي
  د. نصير جابر
في مسرحيّة (الواد سيّد الشغال) التي كتبها سمير عبد العظيم (1942 - 2001) وأخرجها حسين كمال (1934 - 2004)، وعرِضت للمرة الأولى عام 1985 واستمرت على المسارح لمدة ثماني سنوات بتمامها وكمالها،  وحضرها مئات الآلاف من مريدي وعشاق مسرح عادل إمام الكوميدي الساخر.. في هذه المسرحية نرى في المشهد الأخير المكتوب بحرفية عالية كيف تحولت البطلة (هدى) التي أدت دورها بتميز الفنانة مشيرة إسماعيل ابنة الأسرة الارستقراطية التي تطلقت لثلاث مرات لأسباب تافهة جدا من زوجها الثري (شريف)، كيف تحولت من فتاة لاهية همّها عالم الموضة والسفر والحفلات والسهر إلى فتاة شعبية جدا تجلس تحت أقدام زوجها وتدعكهن بالماء والملح، وهي تشعر بأنوثتها الكاملة للمرة الأولى!
                        
وهذا التحول الدرامي يدعم بحوار دال ومؤثر عن الطبقية والطبقات مع موسيقى هادئة مما يعطي المشهد زخما دراميا وينقله من السخرية والكوميديا إلى الجد. 
والحقيقة أن هذا الطرح الغريب شائع جدا في سيناريوهات السينما والمسلسلات -المصرية خاصة- بل يكاد يكون نمطا سائدا فيها، فهناك دائما عند الطبقات الراقية تفسّخ وتحلل أسري تُهدر فيه حقوق المرأة ويغيب طعم الحياة الحقيقي وتنسى المرأة فيه أنوثتها، بينما نجد عكس ذلك في الطبقات 
الفقيرة والمسحوقة، فكلما توغلنا في القاع وجدنا المرأة أصلب عودا وأكثر سعادة وقناعة مع شعور عارم بالأنوثة، وكأن هناك ترابطا جدليا بين الغنى المادي وهدر حقوق المرأة وضياع شعورها بمتعة الحياة وبين الفقر والسعادة والأنوثة .
والغريب أن عادل أمام الممثل المعروف بسخريته اللاذعة وأيضا بميوله اليسارية له فيلم شهير يناقش فيه الفكرة ذاتها (زوج تحت الطلب) وقد عرض في السنة نفسها التي بدأ فيها عرض المسرحية 1985، إذ يعمل فيه الموظف الفقير (ممدوح) كمحلل شرعي حتى يعود الأزواج الأثرياء إلى زوجاتهم بعد أن تطلقن لثلاث مرات.
ومناقشة أسباب هذا الطرح المبالغ به تتطلب مساحة واسعة جدا لا يتّسع لها المقام هنا، ولكنها من المؤكد ترتبط بوجهة نظر من ينتج هذه الأفلام ويروّج لها تحت رقابة سياسية صارمة تريد دائما أن تخفّف من سطوة الفقر ومواجعه الهائلة، فتظهره وكأنه قرين القناعة والشعور الغامر بالرضا عن النفس والسعادة بينما تُقبّح الغنى وتجعله عشّ المفاسد وأس الرذائل ومشروع دائم للتفكك الأسري.  
وما يهمني هنا هو الاشهار الفني المعلن والموجه (السينما والتلفزيون) هو جزئية مهمة تتعلق بالمرأة وشعورها بكينونتها ووجودها الفعّال والمؤثر وعلاقة ذلك بالطبقة الاجتماعية التي 
تنتمي إليها، فهل حقّا أن المرأة الثرية فاقدة للشعور وميّالة إلى التنازل عن مكانتها المادية بسبب الملل والضجر والروتين، والمرأة الفقيرة على عكسها تماما تشعر بطعم كل دقيقة تعيشها؟.. الأمر به لغط كثير ومغالطات كبيرة وتحايل مقصود وتلميح موجه. ووضع اليد على حقيقته رهن بتحليل الواقع الحقيقي والواقع الفني المعروض لنا برتوش، وكذلك هو رهن بقراءة مسوغات هذا الفن الموجه ومقصدياته  المؤدلجة من دون 
شك. 
فالفقر أحد أهم أسباب الطلاق في العالم  العربي، ومنه تتشعّب مشاكل لا عدّ لها ولا حصر، وكلها تصبّ في حيز سحق المرأة وهدر كرامتها ومن ثمّ أنوثتها وجسدها، ومن المؤكد أن أغلب النساء الفقيرات يتمنين حياة هانئة وثيرة  تستطيع فيها المرأة أن تحظى بترف هو أمنية كل امرأة وحلمها.
وبالرجوع إلى الجزئية الأهمّ والأدق في هذه السيناريوهات: (شعور المرأة بأنوثتها داخل طبقتها الاجتماعية) يمكن أن نعود إلى طروحات الموجة النسوية الثانية التي حاولت الكشف عن اضطهاد المرأة وتكريس الصورة النمطية الجندرية لها داخل السينما والتلفزيون متأثرة بأعمال نسوية مائزة  ومؤسّسة مثل الجنس الآخر لسيمون دي بوفوار (1908 - 1986) واللغز  الأنثوي لبيتي فريدان (1921 - 2006) التي دخلت -أي هذه الطروحات- في صياغة النظرية السينمائية النسوية التي أراها وحدها قادرة على التوغل والتحليل في هذا العالم والخروج منه بنتائج واقعية وصادقة ودقيقة.