جعل المواطنة هويتهم الإنسانية وأسماهم «الكريمون».. كيف يتعامل القانون العراقي مع مجهولي النسب؟

الاثنين 07 حزيران 2021 182

جعل المواطنة هويتهم الإنسانية وأسماهم «الكريمون»..  كيف يتعامل القانون العراقي مع مجهولي النسب؟
  غسان مرزة
لم يتجاهل المشرّع العراقي حالة اللقيط أو مجهول النسب، كونها حالة اجتماعية مفروضة ضمن ظروف خاصة غابت عنها روح الإنسانية المجبولة على الرحمة والشفقة، وإذا كان الفاعل مجهولاً فإن نتائج فعله جمعت ثنائية الضحية والأثر، فكان لزاما على المجتمع ان يكون بمستوى التحدي واثبات إنسانيته عبر منح مجهول النسب هويته الحقيقية الإنسانية، وهي المواطنة وفقا للمساحة الجغرافية التي وجد فيها، وهو مبدأ عالمي لم يكن العراق بعيدا عنه.
ويعرّف القاضي عقيل عبد الزهرة نجم نائب رئيس محكمة استئناف بغداد - الكرخ الاتحادية اللقيط بأنه «الوليد الذي يوجد ملقى على الطريق ولا يعرف أبواه، أما مجهول النسب فهو مصطلح يطلق على كل من لا يعرف أحد الأبوين او كلاهما، وقد تم اعتماد مجهول النسب ليكون مفهوماً عاما ومصطلحا قانونيا، وقد دخلت حالة اللقيط في أحكام مجهول النسب فلم يرد في قانون الأحوال الشخصية رقم 88 لسنة 1959 أو قانون رعاية الأحداث مصطلح (لقيط)، في حين كانت قوانين الأحوال المدنية السابقة تنص على ذلك وأضيفت لها كلمــة (اليتيم) في بعض الحالات، ويعد اللقيط او مجهول النسب مسلماً عراقياً ما لم يثبت خلاف ذلك».
وتابع السيد القاضي أن «آليات تسجيل مجهول النسب في سجلات الأحوال المدنية أو ضمن البطاقة الوطنية تنظمها المادة (20) من القانون، على أن تقوم محكمة الأحداث وفقاً لقانون تسجيل الولادات والوفيات وبصورة سرية بإرسال نسخة من القرار الخاص باختيار اسم اللقيط، حيث تعطيه المحكمة اسماً وتمنحه لقباً عائلياً، وتثبت تاريخ ومحل ولادته والمؤسسة التي آوته، كما يتوجب ان يتضمن القرار تاريخ العثور على اللقيط وأن يصدر القرار استناداً الى طلب دار الدولة التي تؤوي الصغير، حيث يصدر قرار تربيب بالطفل الذي لا تعرف المعلومات الكافية عن صحيفة أبويه وأسمائهما ثم يرسل قرار المحكمة الى وزارة الصحة لإصدار شهادة الولادة». 
وأفاد القاضي المختص بأن «محكمة الأحداث تصدر قرارا بالحاق أو ضم اللقيط بإحدى الأسر – إذا طلبت- ويتوجب على المحكمة إرسال نسخة من القرار إلى مديرية الجنسية والاحوال المدنية العامة لقيده في سجلاتها، وكذلك يتم إصدار اقرار للنسب طبقاً لقانون رعاية الأحداث وهنا يتحرى هل سبق وأن سجل في السجل المدني، استناداً الى شهادة ولادة صادره بالاستناد الى (قرار التسمية) ثم يقع الإقرار بنسبه، وأن يصدر باللقيط أو مجهول النسب حجة أو اقرار ولادة أو قرار(تربيب) أو بالضم طبقاً لنص المادة (32) من قانون الأحوال المدنية». 
واذا كان مجهول النسب قد بلغ الخامسة عشرة من عمره فبإمكانه تقديم طلب الى المحكمة المختصة لإصدار حجة ولادة، اما إذا أكمل السابعة ولم يبلغ الخامسة عشرة من عمره، فإن الطلب يقدم من وصي مؤقت تنصبه المحكمة، كما يقول القاضي عبد الزهرة، وعلى المحكمة التحري عن مجهولية النسب بالطرق والآليات التي تراها مناسبة وبطرق الإثبات كافة، فاذا ثبتت مجهولية النسب أحالته على الطبابة العدلية لتقدير عمره، ثم تصدر حجة أو قرار ولادته الذي يتوجب أن يكون متضمناً اسم اللقيط والأسماء المختارة لوالديه وجديه ومحل ولادته وعمره ودينه. 
وأضاف القاضي أن «محكمة الأحداث تختص اختصاصاً حصرياً في إصدار قرار تسمية مجهول النسب، وكذلك إصدار قرار الضم او الإلحاق بأسرة، طبقاً لنص المـــــادة (39 ) من قانون رعايـــــة الأحــداث (وللزوجين أن يتقدما بطلب مشترك الى محكمة الأحداث لضم صغير يتيم الأبوين أو مجهول النسب اليهما)، وبنص المادة (42 ) منه اذا وجدت محكمة الأحداث بعد انقضاء فترة التجربة أن مصلحة الصغير متحققة وبرغبة الزوجين الأكيدة في ضمه اليهما تصدر قرارها بالضم، وكذلك قرار (التربيب) وبنص المادة ( 44) منه (محكمة الأحداث هي التي يتم الإقرار بنسب مجهول النسب أمامها وفق قانون الأحوال الشخصية)، أما محاكم الأحوال الشخصية فتختص حصراً بإصدار حجة الولادة أو قرار الولادة للقيط أو مجهول النسب إذا كان الوليد مسلماً، وتختص محكمة المواد الشخصية بذلك في حال كان الوليد مسيحياً أو يهودياً أو صابئياً أو أيزيدياً وينعقد الاختصاص المكاني لمحكمة محل إقامة ولي المولود في إصدار حجة او قرار الولادة».
 من جانبه، ذكر القاضي محمد رجب أن «مجهول النسب في القانون العراقي هو الإنسان الـذي ولـــد غير معروف الأم أو الاب، وكلمة (اللقيط) أخذت لغويا من (التقاط الشيء) واستندوا في ذلك الى الآية القرآنية الكريمة (فالتقطه آل فرعون) للدلالة على النبي موسى (عليه السلام) حيث لا تقلل هذه الكلمة من شأن الشخص الملتقط، ولكن القانون العراقي بوصفه قانونا رصينا وعريقا شذب هذه الكلمة ونظر الى الجانب الاجتماعي وأطلق عليه في البداية تسمية (مجهول النسب)، وحسب قانون الأحداث تم تعديله وأطلق عليه (كريم النسب) ليعطي هذا الشخص كرامته ولزيادة قيمته في المجتمع، وقد فرض جمهور الفقهاء (فرضا كفائياً) على المسلمين الذين يشاهدون اللقيط بالتقاطه، فاذا التقطه أحدهم يجزي عن البقية، الا أذا كان يخشى على هلاكه ففرض على كل مسلم التقاطه.
وبين القاضي رجب أن اللقيط المولود في دار الإسلام هو حر مسلم (ليس عبداً لشخص) والإنفاق عليه يكون فرضاً على من التقطه اذا كان متبرعاً ولديه القدرة على ذلك، أما اذا لم تكن لديه القدرة على الإنفاق، فيتولى بيت مال المسلمين الإنفاق عليه.
وأضاف القاضي أن قانون «الأحوال الشخصية وقانون الأحداث وقانون البطاقة الوطنية الموحدة لعام 2016 تطرقت جميعا لحالة اللقيط، ففي حالة وجود إقرار من شخص ولو في حالة مرض على أن فلانا ولده بشرط ألا يكون عقيماً وتوفرت الشروط كوجود امرأة، وكان هناك إثبات لفترة الحمل فيعتمد هذا الإقرار ولا يجوز لمجهول النسب أن يمتنع عن ذلك، وفي بعض الحالات فان مجهول النسب يدعي أن هذا أبي أو هذه أمي، فهنا يلجأ القاضي الى البحث والتحقيق عن طريق الفحص الطبي لإثبات الحالة، ويعتمد ذلك على موافقة وإقرار الطرفين.
وتابع أن «مجهول النسب إذا لم يكن مودعاً لدى إحدى دور التأهيل فيوعز قاضي محكمة الأحداث بإيداعه في إحدى تلك الدور، ومن حق من التقطه تقديم طلب بالضم (التبني) لهذا الطفل الى القاضي المختص او أن تتلقى المحكمة طلبات من أشخاص آخرين لغرض الضم، وتوضع في تسلسلها الزمني وعندما يتوفر طفل مجهول النسب يعرض على مقدمي الطلب، وفي حال توفر الشروط فيهم كأن يكون طالب الضم عراقياً بغض النظر ان كان لديه أولاد من عدمه، وهنا يقرر القاضي الموافقة على طلب الضم».
وخلص الى أن «هناك فرقا ما بين طلبي الضم والتربية ففي حالة طلب التربية، لا ينسب الطفل باسم مقدم الطلب، أما في حالة طلب الضم فالطفل ينسب باسمه (يتبنى)، وهنا القانون لا يشترط اتحاد الجنسية والدين (ان يكون عراقياً مسلماً) ولكن الواقع العملي يفرض ان يكون عراقياً مسلماً، فالإسلام هو الدين الأعم والأشمل للدولة والأولى بالرعاية من بقية الأديان، الا اذا أعلن مقدمو الطلب إسلامهم ففي هذه الحالة تتم الموافقة على طلبهم».