أسرار خاصة جداً

الخميس 10 حزيران 2021 638

أسرار خاصة جداً
حسن العاني 
منذ ثلاثة عقود تقريباً بدأ اسم المفكر العراقي (أمجد عبد الكريم) يفرض حضوره الثقافي والعلمي على المستويين العالمي والمحلي، ولعل الرجل الحاصل على شهادة الدكتوراه في السياسة من فرنسا، وشهادة الدكتوراه في علوم الاقتصاد من بريطانيا، قد وظف نفسه عن قناعة للدفاع عن وطنه، وتسليط الضوء على حضارته التي يدين لها العالم أجمع بالعرفان، والكشف عن طاقات شعبه الخلاقة، وربما لهذا السبب تعرض الى اكثر من محاولة اغتيال، ولكنها لم تثنه عن مواصلة جهوده.
وعلى كثرة الاغراءات والعروض التي تلقاها الدكتور امجد من أرقى الجامعات والمؤسسات العربية والعالمية، غير انه اعتذر مفضلاً التفرغ لدراساته وبحوثه والقاء المحاضرات في المنتديات العلمية الرصينة، ونشر نتاجه الفكري لخدمة العراق والإنسانية، ومع ان الرجل كان كثير التنقل والجولات والمحاضرات الا انه لم ينقطع عن زيارة وطنه مرتين او ثلاثاً كل عام، ولعل في مقدمة ما يحسب له، انه كان بعيداً عن الأنظمة والأحزاب والانتماء السياسي، لان قضيته اولاً واخيراً هي العراق، شعباً وحضارة وواقعاً ومستقبلاً، وكيف ينهض به.
في آخر زيارة له الى العراق، ومثل الزيارات السابقة له، تم الاحتفاء به رسمياً وشعبياً، وارتفع اكثر من صوت مطالباً بعمل تمثال كبير له في مركز بغداد، بينما وجهت الدعوة له لإلقاء محاضرة في قاعة الاجتماعات في المنطقة الخضراء، ولبى الرجل الدعوة والقى محاضرة بعنوان (المحاصصة العادلة)، أكد فيها انه لا يرى ضيراً في المحاصصة الشاملة لو تم تطبيقها بصورة صحيحة، لأنها ليست مجرد (مناصب) توزع بين اطراف العملية السياسية، بل هي أوسع بكثير لكونها تشمل مفاصل الدولة كلها، أي (المسؤولين والشعب) واهم عنصر فيها هو الاقتصادي او المالي، وبالتالي فان توزيع الثروات يجب أن يخضع بدوره للمحاصصة بين هذين الطرفين، وبما ان المسؤولين هم (الأقلية) والشعب هو (الأكثرية)، فهذا يتطلب إعادة نظر جذرية في طريقة توزيع الرواتب والأجور على وفق استحقاقات الديمقراطية الخاصة بالأكثرية والأقلية، وعند انتهاء المحاضرة مباشرة شهدت القاعة اجتماعاً طارئاً، وقد اتهمت فيه احدى الكتل المحاضر بانه ينفذ اجندة اجنبية مشبوهة، واقترحت كتلة أخرى احالته الى القضاء بتهمة الاخلال بسلم الرواتب، وبعد مناقشات ساخنة تم الاتفاق على أن تتكتم الأطراف جميعها على (المحاضرة) و ( تعتبرها) من الاسرار الخاصة جداً، وقد فاتها أن اخطر الاسرار في العراق تصل الى الناس قبل أن ينتهي الاجتماع!.