المسؤوليَّة القانونيَّة الناجمة عن توفير واستخدام لقاحات جائحة كورونا

الاثنين 14 حزيران 2021 409

المسؤوليَّة القانونيَّة الناجمة عن توفير واستخدام  لقاحات جائحة كورونا
  باسم محمد الفضلي
نتيحة للمطالبات التي تقدمت بها الشركات المصنعة للقاحات الخاصة بمرض «كوفيد - 19» بضرورة أن توفر الدول لها غطاء قانونيا يحميها من المساءلة والملاحقة القانونية، شرعت الجهات المختصة في العراق هذا القانون. وهو في الحقيقة قراءة في ضوء أحكام قانون توفير واستخدام لقاحات جائحة كورونا رقم «9» لسنة 2021 . وقد نص القانون على توفير حماية قانونية لهذه الشركات بشكل صريح، 
 
ولاحظنا على هذا القانون عدة امور اخضعناها للتحليل والنقاش وهي: مدى نطاق هذا الاعفاء، مدى مشروعية اعفاء الشركات المصنعة والمجهزة من المسؤولية، مدى دقة المشرع في بيان ارادته ومدى دقة الصياغة الواردة في هذا القانون، مدى مشروعية الزام الدولة للمواطنين بأخذ اللقاح، استنادا الى احكام هذا القانون. ثم عرجنا على النتائج التي توصلنا اليها والمتمثلة بما يلي: مدى مشروعية اعتراض الفرد على أخذ اللقاح، المسؤولية المترتبة على عدم أخذ اللقاح من قبل الافراد في ضوء احكام هذا القانون. بعد اقراره من قبل مجلس النواب اصبح القانون نافذا، وقد تم نشره في جريدة الوقائع في العدد 4621 بتاريخ 15 / 3 / 2021، وتضمنت المادة الاولى من القانون أحكاما 
تعريفية. 
إذ عرفت الفقرة ثانيا من هذه المادة جائحة كورونا على أنها «الجائحة الناتجة عن انتقال فايروس كورونا «covid  - 19 و sars» او اي سلالة متطورة او متحورة عنه». وهنا أود أن أبين الى ان المشرع كان موفقا في بيان ذلك، لاسيما في ايراده السلالات المتحورة عن هذا الفيروس وقد ثبت بالفعل حدوث طفرات بين فترة واخرى في عدة بلدان، كالبرازيل وبريطانيا والهند. أما في ما يتعلق بتقرير الحصانة للشركات المصنعة والمجهزة فقد نصت المادة 2 من القانون على أنه «تعفى من المسؤولية المدنية والجزائية الشركات العالمية المصنعة والمجهزة للقاحات الخاصة بفيروس كورونا ووزارة الصحة والبيئة وتشكيلاتها والعاملين فيها من الاضرار الناتجة عن توفير او استخدام المواد الطبية اللازمة للوقاية من فيروس كورونا». ومن خلال النص آنف الذكر لاحظنا أن المشرّع العراقي قد توسع في نطاق الإعفاء او الحصانة ليشمل بذلك الشركات المجهزة ووزارة الصحة والبيئة وتشكيلاتها والعاملين فيها. والاعفاء الوارد يشمل المسؤوليتين المدنية والجزائية، وهنا نبين الآتي: 
1 - اذا كان المشرّع قد منح الشركات المنتجة حصانة من الملاحقات القانونية، بناء على طلبها فذلك لا يبرر منح الشركات المجهزة ذات الحصانة. لأن الشركات المجهزة عادة ما تكون طرفا وسيطا، وقد يحدث أن تتسبب هذه الشركات بإهمال يترتب عليه حدوث ضرر بالافراد نتيجة مايلحق هذه اللقاحات من تلف بسبب سوء التخزين او لأي سبب آخر. علما إن إهمال هذه الشركات المجهزة لا يترتب عليه اية مسؤولية مدنية او جزائية، حتى لو كان اهمالا جسيما بدليل نص المادة «3» من هذا القانون، التي استثنت من نطاق هذه الحصانة او هذا الاعفاء الاعمال العمدية التي يمكن ان تحدث الوفاة او تحدث اصابة جسيمة. إذ ان الاهمال الجسيم كما معلوم هو دون العمد وفوق الاهمال العادي. فقد نصت المادة 3 على أنه: «يستثنى من احكام المادة «2» من هذا القانون الاعمال العمدية التي تؤدي الى الوفاة او الاصابة الجسيمة باستخدام احدى المواد الطبية الخاصة لمواجهة جائحة كورونا». 
2 - نلاحظ أن المشرّع لم يكن موفقا في ايراده بعض المفردات مثل «العالمية». فلا يوجد معيار محدد وواضح يصنف الشركات المنتجة الى شركات عالمية او غير ذلك. ويبدو أن المشرع هنا قد تأثر بما هو شائع في وسائل الاعلام المختلفة، وتحديدا الجدل العالمي الذي تركز على الجائحة وعلى اللقاح المرتقب طيلة الفترة السابقة.
 3 - أورد المشرع الحماية الجزائية في نص المادة 2 وشمل بها وزارة الصحة والبيئة، علما ان الوزارة تعد من الاشخاص المعنوية العامة والتي لا يمكن ان تخضع لمساءلة جزائية حتى يعفيها المشرع. ولذلك لاحاجة للنص على اعفائها من المسؤولية الجزائية.
 4 - نلاحظ أن المشرع قد اورد الوزارة المعنية بالاعفاء بمفهومها القائم على اساس الدمج بين وزارتي الصحة والبيئة، استنادا الى قرار اداري صدر من مجلس الوزراء لغايات اصلاحية حينها. وهذا ماقد يسبب ارباكا في حال كون هاتين الوزارتين مازالتا تعملان كل منهما وفق قانونها الخاص والمستقل . اما اذا كان قصد المشرع بذلك اعتبار كل من الوزارتين وزارة واحدة ،فذلك قد يمد نطاق الاعفاء من المسؤولية المدنية والجزائية لتشمل ايضا العاملين في وزارة البيئة مع أن النص يوحي بقصر الحماية على العاملين في وزارة الصحة فقط، وهذا ما يسبب اشكالا تفسيريا. لذلك كان الأجدر بالمشرع تحديد المشمولين بالاعفاء بشكل اوضح وحصرها في العاملين بالقطاع الصحي. 
 أما في ما يخص المادة 4 من القانون فقد نصت على أنه تتحمل الدولة تعويض المتضررين من الاعمال او الانشطة اللازمة لعملية التطعيم. وهذا يعني أن الدولة اقرت تحملها المسؤولية المدنية نيابة عن وزارة الصحة ونيابة عن الشركات المصنعة والمجهزة للقاحات من خلال تعويض المتضررين، ويتم ذلك وفق آليات تقوم بها لجنة مختصة حددتها المادة 5 من القانون. أما في ما يتعلق الأمر بالاسباب الموجبة للقانون، فقد جاء في هذه الاسباب: نظرا للانتشار المفاجئ والسريع والواسع لجائحة فيروس كورونا على مستوى العالم بما في ذلك العراق وتعذر مواجهة جائحة كورونا بالطرق التقليدية، ولغرض توفير الحماية للمواطن العراقي والمؤسسات من الاضرار الناتجة عن استعمال اللقاح، وتسريع اجراءات وزارة الصحة بالحصول على اللقاحات وتوفير الحماية القانونية لوزارة الصحة وتشكيلاتها والعاملين فيها، ومنتجي اللقاح وممثليهم الاقليميين من المطالبات الناتجة عن مواجهة الجائحة. شرع هذا القانون.نلاحظ الآتي:
1 - ايراد المشرع عبارة «على مستوى العالم بما في ذلك العراق» هو اضعاف للصياغة القانونية.
2 - ايراد المشرع عبارة مبهمة تمثلت بتعذر مواجهة جائحة كورونا بالطرق التقليدية، من دون ايضاح هذه الطرق مما يعطي الانطباع بأن اخذ اللقاح يعد طرقا غير تقليدية.
3 - بينت الاسباب الموجبة أن الغرض من تشريع هذا القانون هو حماية المواطن العراقي والمؤسسات، فاذا كان المشرع يريد بذلك الحماية القانونية، فهذا يناقض أحكام هذا القانون الذي لايتضمن أية حماية للمواطن العراقي سوى اقرار الدولة بتحملها التعويض، وهو اجراء يأتي بعد حدوث الضرر وليس اجراء حماية يفترض اتخاذه قبل حدوث الضرر. واذا كان المقصود بالحماية هو الحماية الصحية او الطبية، فهذا تحصيل حاصل وهو واجب على الدولة بتوجب تشريعات سابقة نافذة من دون الحاجة الى تشريع قانون جديد بشأنها. 
4 وبصدد الحماية ايضا فإن ايراد المشرع لعبارة «المواطن العراقي والمؤسسات» جاءت غامضة ومبهمة، فهي من ناحية لم توضح اي نوع من الحماية يريد المشرع، ومن ناحية أخرى قصر الحماية على المواطن العراقي وهذا مخالف للقواعد والاعراف الدولية التي تلزم العراق بتوفير الحماية لجميع المقيمين فيه سواء أكانوا عراقيين أم أجانب.. 
5. ايراد المشرع لعبارة»وزارة الصحة» دون عطفها على وزارة البيئة كما ورد في احكام القانون يعد ارباكا في الصياغة وعدم الثبات على مفردات واحدة. النتائ: بعد تناول هذا القانون بالتحليل والفحص تبين الآتي: 1.لاتستطيع الدولة الزام المواطنين على أخذ اللقاح استنادا الى احكام هذا القانون الذي جاء خاليا من النص على ذلك. ولايجوز لها ذلك الا من خلال التعديل عليه او من خلال اصدار وزارة الصحة والبيئة تعليمات ولوائح تشجع الافراد على أخذ اللقاح دون ان تكون تلك التعليمات او اللوائح ذات طبيعة الزامية. 2.لايترتب على المعترض على أخذ اللقاح مسؤولية قانونية بموجب أحكام هذا القانون. لأن احكام المادة «2»  أسست حصانة وحماية تامة للشركات المنتجة للقاح من دون ان تعطي هذه الشركات اية ضمانات للافراد وهو ما يبرر لأي فرد حق الاعتراض على أخذ اللقاح .3. لايجوز بموجب أحكام هذا القانون منع الأفراد من أخذ اللقاح لأن نصوصه لم تمنح مثل هذا الحق لأي فرد او لأي جهة إلا اذا ثبت ضرره فعند ذلك يمكن الرجوع الى القواعد العامة وتتولاها الجهة المختصة قانونا. 
4 - لم يحدد المشرع نطاقا زمنيا للاعفاء من المسؤولية بل جاء الاعفاء مطلقا، وهو ماقد يعرض بعض احكام هذا القانون للتعطيل مستقبلا في حال ثبت فشل احد اللقاحات طبيا. 
5 - لم يحصر المشرع اللقاحات المعتمدة حاليا في نص معين وهو أمر محمود، لأن الشركات المنتجة والشركات المتخصصة بالانتاج مازالت تطور هذه اللقاحات ومن الممكن دخول لقاحات جديدة تكون معتمدة 
رسميا.
 6 - لم يستخدم المشرع العراقي الاسم العلمي للفيروس المسبب للجائحة «covid - 19» الا في الفقرة ثانيا من المادة الاولى، واستخدم عبارات غير ثابتة، مرة اسماه بحائحة كورونا ومرة بجائحة فيروس كورونا وهو ما يضعف الصياغة القانونية 
لأحكامه.