تقدم التقنية لا يلغي شرط توافر متطلبات {الابتكار المحلي} ستراتيجية دعم المحتوى الرقمي العراقي بمعايير الجودة الدوليَّة

الثلاثاء 15 حزيران 2021 194

تقدم التقنية لا يلغي شرط توافر متطلبات {الابتكار المحلي} ستراتيجية دعم المحتوى الرقمي العراقي بمعايير الجودة الدوليَّة
  الدكتور صفد الشمري
في وقتٍ صارت فيه صناعة المحتوى الرقمي مرتكز الحراك العالمي المتصف بالرقميَّة على المستويات جميعها، بعد أنْ اعتمد العالم نتاج قياس فاعليَّة تلك الصناعة أحد مؤشرات نجاح ووصول كل المنتجات المادية والفكريَّة إلى الأطراف المستهدفة، ما زالت {صناعة المحتوى الرقمي العراقي}، تعاني من سيادة العشوائيَّة، التي وضعت مضامينها في مراتب تكاد لا تذكر في التصنيفات الدوليَّة، التي تشترط توافر معايير رئيسة للجودة، غابت عن أذهان القائمين على المجال الرقمي المحلي، الأمر الذي يدعو إلى ضرورة تبني ستراتيجيَّة رصينة للنهوض بهذا المجال الناشط.
صناعة المحتوى
يشير مفهوم صناعة المحتوى الرقمي الى عملية بناء وترميز المضامين في الأوعية الرقميَّة، بشكل مفهوم وميّسر للمستخدمين، على وفق معايير وأسس وقواعد محددة، وبشرط إضافة عنصر المعرفة، وترتبط بحق الملكية، الذي يستوجب توافر مجموعة من المقومات، ويخضع إلى العديد من التفسيرات، بين النظم التشريعيَّة التقليديَّة، وبين متطلبات البيئة الرقميَّة المعاصرة على المستويين المحلي والدولي.
ويتخذ المحتوى الرقمي العديد من الأشكال من بينها: (النص، الصورة، الفيديو، الرسوم المتحركة، التطبيقات الرقميَّة)، وهو يستعمل لتحقيق مجموعة من الوظائف: (الاتصالات، الأخبار، التوظيف، التسلية، التجارة، البحث في الموضوعات، التعليم، التدريب.. وغير ذلك)، وهذا ما يتطلب النظر الى المحتوى الرقمي، على مستوى العالم، ضمن سياق البيئة والآليات الهادفة الى استحداثه وتخزينه وتقديمه وتسويقه، ولا يقتصر ذلك على البعد التكنولوجي فحسب، بل يتعداه ليشمل الأبعاد القانونيَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة.
{الرقمنة} المحليَّة
تقف صناعة المحتوى الرقمي في العراق في ترتيب متأخر للغاية على مستوى العالم، على الرغم من توافر متطلبات الجاهزية {التقنية}، وهذا ما يستوجب الوقوف على مدى دراية صنّاع المحتوى لدينا بمعايير جودة المحتوى الرقمي، وتحديد معوقات صناعة المحتوى المتصف بالجودة في البلاد، ومعرفة المستوى الفني الحقيقي لصنّاع المحتويات الرقميَّة أنفسهم، وتقديم الوصف الدقيق لواقع البيئة الرقميَّة المحليَّة، إلى جانب معرفة الدور الحقيقي للمؤسسات العراقيَّة المختصة في تنمية صناعة المحتوى الرقمي، من مدارس وجامعات ومؤسسات حكوميَّة 
ومجتمعيَّة.
لقد واجهت عملية صناعة المحتوى الرقمي مجموعة من التحديات التي كان أبرزها ما يعرف بالفجوة الرقميَّة، ولا ترتبط تلك الفجوة بالجاهزيَّة التقنيَّة، من الأدوات والمتطلبات الماديَّة، فالتقنية، من وجهة نظر المختصين، كانت وستظل منتجاً اجتماعياً، وقد جاءت المعلومات والاتصالات بمنزلة تأكيدٍ حاسمٍ لهذا الرأي، وبقدر ما يحتاج تضييق الفجوة الى توفير الوسائل الفنيَّة، بقدر ما يحتاج الى نوعٍ من الابتكار الاجتماعي أو ابتكار ما بعد التقنية، إذ صارت التقنية الرقميَّة تنمو بشكلٍ متزايد ومتشابكٍ مع الحياة اليوميَّة، من التعليم المدرسي والتربية الى الانخراط السياسي والإدارة الماليَّة والصحيَّة، وهو ما يتطلب فهم الحاجة الى التحديات التي توفرها الاستخدامات الرقميَّة في المجتمعات.
 
معايير الجودة
يتطلب تطوير عملية صناعة المحتوى الرقمي وضع ستراتيجيات لإيجاد موازنة بين المحتوى والبنية التحتيَّة، وبين جانبي العرض والطلب، وبين مقدمي خدمات الانترنت وبين صنّاع المحتوى، وإنشاء مؤسسة عربية للمحتوى الرقمي تسعى الى رصد الحالة وإجراءات الدراسات والتقدم بتوصيات الى الحكومات العربيَّة، والعمل على تطوير محرك بحث عربي ودليل لمواقع الويب مبوب بحسب نشاط الأعمال ومعزز بخيار إضافة اللغتين الانكليزيَّة والفرنسيَّة.
إلى جانب الاستثمار في استحداث وترجمة المحتوى الرقمي بالاستعانة بأدوات الترجمة الاوتوماتية، وتنمية المهارات الرقميَّة، ودعم مؤسسات البحوث والشراكة مع المعاهد والمراكز الخارجيَّة المختصة وتشجيع المستخدمين من خلال المنح لاستحداث المشاريع، وإطلاق مبادرات وبرامج وطنية في هذا المضمار، إلى جانب التزام صناع المحتوى بعددٍ من المعايير الدوليَّة لإضفاء الجودة على نتاجاتهم.
وتعتمد جودة المحتوى الرقمي على مجموعة من المعايير التي يجري قياس فاعليته بمدى الأخذ بها من عدمه في صناعة المحتويات على مستوى العالم، متمثلة في: معايير المحتوى (القصد منه، وشموليته وحداثة معلوماته، واعتماده للموضوعيَّة والدقة، وسلامة لغته واحترام قواعدها)، والمعايير التقنيَّة (سهولة الوصول الى الموقع والتجول فيه، وسرعة تحميل محتوياته، وتوافقه مع محركات البحث المختلفة، وتوافر المعلومات الإحصائيَّة، وموثوقيَّة الجهة 
الحاضنة له).
 ومعايير الإخراج الفني (بنيته، ومعلوماته، ومظهره، وخريطته والتأكد من صلاحية عمل روابطه)، والمعايير الأخلاقيَّة (المرتبطة باتباع قوانين الملكية الفكريَّة، واحترام حقوق الإنسان، وشروط الخصوصيَّة وسياسات النشر، إذ تمثل التحديات المتعلقة بتطبيق تلك المعايير مجتمعة مجموعة من المعوقات التي قللت من فرص تطوير صناعة المحتوى الرقمي العربي بشكلٍ عام).
 
الستراتيجيَّة العراقيَّة
لقد ناقشنا واقع المحتوى الرقمي العراقي ومناهج تطويره، في مناسبات محليَّة ودوليَّة متعددة، وكان آخرها مشاركتنا في بحثنا المختص: {التزام صناع المحتوى الرقمي العراقي بمعايير الجودة العالميَّة}، ضمن وقائع: {المؤتمر العلمي الدولي الثالث لقسم الإعلام في كلية الآداب والعلوم الاجتماعيَّة بجامعة السلطان قابوس: الاتصال الجماهيري في البيئة الرقميَّة: بين ضرورات التربية الإعلاميَّة ومتطلبات التعليم الإعلامي}، للخوض في آليات تنظيم الصناعة غير المنهجية للمحتويات الرقميَّة في العراق، والتي أخذت تحدّث تفاعلاً كبيراً، حتى وإنْ خالف الكثير منها القيم الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة السائدة، بعد أنْ قوبلت بمتابعات وصلت إلى عشرات الملايين.
وتوصل البحث إلى مجموعة من النتائج، كان من بينها: انَّ نتائج البحث أشّرت عدم التزام صناعة المحتوى الرقمي العراقي بأغلب معايير الجودة العالمية، لا سيما ما يتعلق بمعايير المحتوى، الأمر الذي كرَّسَ من تراجع جودة تلك المحتويات، بينما لا يمتلك صناع المحتوى الرقمي في العراق تصوراً كافياً عن متطلبات جودة المحتويات، وكان لغياب المؤسسات الحكوميَّة والتعليميَّة المعنية بالتنشئة الرقميَّة أثرٌ كبيرٌ في ذلك، بينما تعتمد مقاييس صناعة المحتوى الرقمي العراقي على معيار الرواج والانتشار باتباع {ترند} العراق أو المنشورات الرائجة عبر وسائط التواصل الاجتماعي، بصرف النظر عن جودتها، لدواعٍ ترتبط بالحصول على أكبر قدرٍ من المتابعين.
إنَّ هذا يدعو لإرساء ثقافة الجودة في صناعة المحتوى الرقمي العراقي، والتوعية بأهميتها، عن طريق سترتيجية تتبناها هيئة الإعلام والاتصالات في العراق، تعملُ على تنمية المهارات الرقميَّة للمستخدمين في العراق على جميع مستوياتهم، تتضمن إيجاد آليَّة مركزيَّة لقياس جودة المحتوى الرقمي العراقي، على وفق أطر الشفافيَّة والمهنيَّة، وتصنيف المحتويات على وفق معايير الجودة المعتتمدة، وبما يعمل على خلق منافسة مهنيَّة بين صنّاع المحتوى الرقمي تعمل على تطوير نتاجاتهم.
إلى جانب ضرورة قيام الجامعات والمؤسسات الأكاديميَّة والمدرسيَّة العراقيَّة بأدوارها في مجال تنمية المهارات الرقميَّة، وضرورة البدء بإدراج مواد التنشئة الرقميَّة ضمن المناهج التعليميَّة، ودعم صنّاع المحتوى الرقمي في العراق، من قبل الأجهزة الحكوميَّة المعنيَّة بقطاعي الاتصالات والإعلام، وبما يعمل على إرساء أسس سليمة للنشر الرقمي.
* خبير التواصل الرقمي