الفلسفة والتعقيد

الخميس 17 حزيران 2021 214

الفلسفة والتعقيد
 د. علي المرهج
 
من مشكلات التوصل المعرفي مع الفلسفة هي التعقيد، بحسب ما يؤكد الكثير من قُرائها، ولا أعرف لماذا يظن من لا علم له ودراية بأي علم وفن بأن الفلسفة معقدة، فهذا التعقيد يصح على علوم الفلك والفيزياء والرياضيات، بل وعلوم الاجتماع والنفس والتشكيل والمسرح.
لماذا تُتهم الفلسفة دون غيرها بالتعقيد والتباس موضوعاتها وصعوبة فهمها، والأمر ينطبق على غيرها من العلوم والفنون، بل وحتى على علوم النحو والأدب العربي، فليس الجميع يفهم الإعراب، ولا يفهم الشعر العربي القديم، بقدر ما يفهم بعض أبيات من قصيدة ما، ولا يفهم شعر التفعيلة ولا شعر النثر، ولن تجد من يفهم تشكيلات (سلفادور دالي) ولا أقول إن الفلسفة ليست معقدة، ولكن المشكلة ليست فيها، بل المشكلة الأكبر إما في كتابها، إذ يميل البعض منهم للتحذلق في اختيار مفردات ومصطلحات إن واجهته وجهاً لوجه، وسألته عنه يحار و يحتار ولا يُجيبك عنها جواباً شافياً، أو المشكلة تكمن في القارئ الذي يرغب في القفز في الفهم "قفزة الغنكر"، ويعتقد نفسه أفضل من افلاطون وأرسطو والفارابي وابن سينا، وهو لم يقرأ سطراً لكل هؤلاء الفلاسفة.
الفلسفة مجال واختصاص يحتاج صاحبه للتدريب وامتلاك عدة مفاهيمية ومناهجية للتمكن من قراءتها ومعرفة ما يكتبه فلاسفتها.
لا يصح أنك لم تقرأ سطراً في تاريخ الفلسفة وتدعي أنك لا تفهم لأن من طرح رؤية عقلانية في تصوره لرؤيتك المذهبية كان يميل للتعقيد، فلا تجعل حالك كحال الفكر في قدرته على القفز، لأنك ليس هو.
في كتاب (جون كيمني) "الفيلسوف والعلم"، يقول ما ما معناه (أن الكاتب الذي يكتب بأسلوب معقد، أما أنه لا يفقه شيئا في المجال الذي يكتب به، أو أن هذا المجال الذي كتب به يحتاج لعدة مفاهيمية ومناهجية لم نتعلمها بعد).
الفلسفة ليست بضاعة مروجة في سوق حرة متاحة لكل من ولج ممرات هذه السوق التعامل معها. من يعرف قيمة العلم يعرف قيمة الفلسفة، وأقول لكم من يعرف قيمة الفقه والدين يعرف قيمة الفلسفة وإن تغاضى عن ذكر أهميتها، أو لم يتمكن بفعل تكوينه الأصولي (السلفي) الاعتراف بها وبأهميتها في ترميم فكره العقائدي {المتمذهب} الذي جعله يعرف الأخذ من الفلسفة تكوينها العقلاني، الذي ينفعه في الدفاع عن عقيدته، وتناسى بعدها في الانتماء لحرية الفكر وقبول الآخر المختلف.
حينما يكتب الشاعر قصيدته، حتى في الشعر الفصيح، بكل حمولتها الاصطلاحية لا يُحمله القارئ لها هم تعقيد فهمها، ولكنه يُحمل الفيلسوف هم تفهيمه أصل وجوده الأنطولوجي والميتافيزيقب الذي يشرحه بمفاهيم ومصطلحات، تحتاج لتأنٍ ورويةٍ في فهم مقاصدها، وحينما لا يفهم مقاصدها لأنه لم يقرأ في كل تاريخ تعلمه سطراً في الفلسفة، نجده فاغر الفم، ومعترضا لأنه لم يفهم قصد الفيلسوف الذي لم يقرأ له من قبل جملة واحدة، بل ولم يقرأ لا عن تاريخ الفسفة ولا عن مذهب الفيلسوف واتجاهه!.
لماذا تقبل بفنون التشكيل وفنون الأدب والمسرح والموسيقى التي في مجمل أعمالها الجادة هي ضرب من ضروب الترميز، التي يلعب كتابها ومنفذوها على قدرتك في فك رموزها في معرفة تاريخها بحكم هوايتك وسعيك المعرفي للدراية بتاريخها، وتبخل على الفلسفة بكل هذا وذاك؟!.
حينما تُريد الأخذ، فعليك العطاء، والعطاء في قراءة النص الفلسفي هو الاستعداد للفهم أولاً، ولا يأتي الفهم دفقة أو دفعة واحدة، لأن من يرغب الأخذ ينبغي عليه الصبر من قبل ومن بعد على العطاء، والعطاء يكمن في سعيك الجاد لفهم مصطلحات الفلسفة و{مقاصد الفلاسفة} بتعبير الغزالي.