المنصات الرقميَّة وإعادة دمج ذوي الاحتياجات الخاصة بالمجتمع

الثلاثاء 29 حزيران 2021 436

المنصات الرقميَّة وإعادة دمج ذوي الاحتياجات الخاصة بالمجتمع
  د. صفد الشمري
تمارس الأوعية الاتصاليَّة الإلكترونيَّة الدور البديل في تحقيق وظائف الإعلام والسينما والمسرح في المجتمعات المعاصرة، عبر محتويات رقميَّة فيديويَّة وصوتيَّة ومقاليَّة متعددة، ومنه ما يرتبط بأكبر شريحة في العراق، ممثلة بشريحة ذوي الاحتياجات الخاصة، والتي تقدر المنظمات الدولية أعدادهم بما نسبته 10 % من مجموع سكان البلدان المستقرة، وتزيد معدلاتهم إلى 13 % في المجتمعات التي تعاني من الحروب والكوارث المستمرة، ومنه ما يتعلق بالعراق، الذي تختلف الإحصائيات الرسميَّة والبرلمانيَّة والفعاليات المجتمعيَّة بتحديد أعدادهم ما بين ثلاثة إلى خمسة ملايين{معاق}، ألزمت المادة (32) من الدستور لسنة 2005 بحمايتهم في النص الذي يفيد بأنْ: {ترعى الدولة المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة وتكفل تأهيلهم بغية دمجهم في المجتمع}.
خطر العزل المرئي
إنَّ التصدي للعزل المرئي الذي عانى منه {المعاقون» لسنوات طويلة، في وسائل الاتصال التقليديَّة، ممثلة بالإعلام والسينما والدراما والمسرح، يمكن أنْ يبدأ بأكثر أدوات التواصل المعاصر حيويَّة وتأثيراً، ممثلة بالأوعية الرقميَّة المتعددة، التي يمكن لها في حال تنظيمها أنْ تُسهمَ في إعادة دمج (المعاقين) بالمجتمع العراقي، بوصفهم من الأفراد الفاعلين والمنتجين فيه، والوقوف بالضد من تكريس صورة سلبيَّة عنهم.
إنَّ الإقرار في إسهام المضامين الاتصاليَّة التقليديَّة في تكريس العزل الاتصالي مع شريحة (المعاقين) وتقديمهم للجمهور على أنهم {مثيرون للشفقة» في أغلب الأحوال في شتى الأنواع الإعلاميَّة والسينمائيَّة والدراميَّة، يتطلب من الباحثين في الشؤون الإعلاميَّة والرقميَّة والقائمين على منظومات الاتصال، أنْ يحددوا خريطة طريق حذرة وفاعلة تتناول احتياجات ومتطلبات (المعاقين)، وقد يعزز من رأينا هذا، الذهاب إلى أنَّ {الإعاقة ليست مرضاً في الغالب، بل تأخر ملحوظ في النمو في حالات معينة، يستدعي توفير مجالات وظروفٍ خاصة لتحقيق هذا النمو»، ويمكن أنْ تكون أوعية التواصل الرقمي أحد أهم تلك المجالات، التي تسعى في تحقيق هذا النمو.
 
فهم الاحتياجات الخاصة
عرّف المختصون {المعاق» على أنه: {فرد أصيب بعجز كلي أو جزئي، خلقي أو غير خلقي، وبشكلٍ ثابتٍ في أيٍ من حواسه أو قدراته الجسديَّة أو النفسيَّة أو العقليَّة، إلى المدى الذي قد يحد من إمكانيات تلبية متطلبات حياته الاعتياديَّة في ذات ظروف بقية أفراد مجتمعه المحلي، من غير المعاقين».
وبذا، تصنف الإعاقة إلى: حركية أو بدنية، كقطع الأطراف أو توقف وظائفها، والإعاقة الحسية المتعلقة بالتكلم والاستماع، والإعاقة الذهنية، وقد تؤثر الإعاقة في الحالة النفسية للفرد المعاق، وفي تطوره وتعلمه، وهناك من يرى أنَّ الإعاقة ليست مرضاً، بل هي تأخر ملحوظ في النمو، يستدعي توفير مجالات وظروف خاصة لتحقيق هذا النمو، ومن هنا يكون المعاق: كل من افتقد القدرات الحيويَّة للمعيشة المستقلة من دون إسناد ومساعدة خارجيَّة من أفراد آخرين.
ولأنَّ المنظومات الرقميَّة صارت تشكّل في كل مجتمع كياناً، يكون تنوعه استجابة لتنوع الواقع الموضوعي للمجتمع وتنوع حاجاته الرئيسة، والأهداف المطلوب تحقيقها في المجالات المختلفة، وفي الأوقات والأمكنة والأساليب المتعددة، تأتي الحاجة الماسة لتولي تلك المنظومات لأدوارها الفاعلة في التركيز على شريحة (المعاقين)، ممن تصل أعدادهم إلى 600 مليون شخص في العالم، تبلغ نسبتهم في الدول النامية فقط قرابة 
80 % وفقاً للإحصائيات الدوليَّة، بينما تختلف الإحصائيات التي تختص بتحديد أعدادهم في العراق ما بين ثلاثة الى خمسة ملايين معاق، تتطلب أوضاعهم، في كل الأحوال، رعاية واهتماماً خاصين من قبل الأجهزة المعنيَّة بهم، على الرغم من الإلزام الصريح والواضح بتلك المهمة من قبل نصوص الدستور العراقي.
 
الواقع المظلم
في معرض تقييمها للواقع الاتصالي المختص بشريحة (المعاقين) على المستوى العربي، وبالنظر لعدم وجود مقاييس دقيقة لتحديد مديات اهتمام المنصات الرقميَّة بتلك الشريحة العريضة بعد، نجد أنَّ من المفيد تبيان مستوى الاهتمام التلفزيوني والإذاعي والدرامي العربي بها، والتي كرّست هي في الأساس عبر مضامينها طيلة السنوات الماضية، تشكيل الصورة السلبيَّة عن (المعاقين).
وهو يعكس مؤشرات عناية القطاعات المعنية بتلك الشريحة المقهورة بشكلٍ عام، إذ أظهرت وثائق {تنظيم البث والاستقبال الإذاعي والتلفزيوني، عبر الفضاء في المنطقة العربيَّة، التي صدرت عن اجتماعات وزراء الإعلام العرب، إنَّ عدد الهيئات العربيَّة التي تبث قنوات فضائيَّة على شبكاتها قد بلغ 116 هيئة، منها 24 هيئة حكوميَّة، و92 هيئة خاصة تمتلكها وتديرها رؤوس أموال عربيَّة، كانت بواقع 79 قناة ذات البرمجة المتنوعة الجامعة، و202 قناة متخصصة في عددٍ من المجالات، الأمر الذي يظهر لنا التطور اللافت في الاهتمام بالإعلام العربي المتخصص من حيث المبدأ.
وقد بلغ عدد قنوات الأطفال 16 قناة، بينما حصر عدد القنوات الرياضيَّة بـ26 قناة، والإخباريَّة بـ22 قناة، وكذلك 38 قناة للسينما والدراما والمسلسلات، و41 قناة للموسيقى والمنوعات، و23 قناة تجاريَّة واقتصاديَّة وللتسوق، و14 قناة ثقافيَّة وتعليميَّة، و12 قناة وثائقيَّة، و6 قنوات دينيَّة، و4 قنوات تفاعليَّة، بينما لم يسجل وجود أية قناة فضائيَّة تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة، ولم يعالج الإعلام العربي قضاياهم إلا في برامج أو تقارير محدودة، فكيف يكون الحال مع المجال الرقمي؟.
على الرغم من أنَّ نسبة المعاقين في البلدان العربيَّة بلغت نسبة تراوحت من بين 10 % و13 % من عدد سكانها، يمكننا القول: إنه لم تناقش على نطاق واسع (ثقافة المعاق) بعد، وبقي التركيز على قضاياهم واحتياجاتهم سطحياً ومحدوداً، كما أنه غالباً ما يتم تقديم صورة (المعاق) بشكلٍ سلبي يعزز النظرة السائدة على أنه{إنسان ذو عاهة»، في حين إنَّ{الإعاقة» من بين أكثر الموضوعات الإنسانيَّة حساسيَّة، وهي تتطلب اهتماماً ورعاية أكبر بكثير مما أولته وسائل الإعلام التقليديَّة، فالأمر يتعلق بتحديد المفاهيم والتعرف على الخصوصيات، والرعاية والتأهيل وتنمية المواهب والملكات، وفك العزلة عن (المعاق) بتمكينه من دخول الحياة كشريكٍ فاعلٍ وقادرٍ، وليس ككائن عاجز يثير الشفقة في أحسن الأحوال.
لقد مارست المضامين المرئيَّة والمسموعة على مستوى العالم دوراً سلبياً بحق شريحة (المعاقين)، ومعاكساً للمهام المفترض القيام بها إزاء تلك الشريحة الواسعة والمهمة، وقدمت{صورة ذهنيَّة» سلبية عنهم في مواضع الأمر الذي يظهر مخاوف تبني التلفزيون تلك {الصورة» السلبية عن (المعاقين)، وما يمكن أنْ تحمله من مخاطر مستقبليَّة على مستوى عدم القدرة في إعادة دمج تلك الشريحة بالمجتمعات، وفي توجيه سلوكها بالشكل الصحيح.
في مقابل ذلك.. ينقل عن بحث أجراه معهد غربي متخصص في الدراسات المعلوماتيَّة عن الصورة التي قدمها الإعلام التقليدي عن (المعاقين) لعامة المتلقين بأنهم: ((أشخاص خطرون وأشرار وعدائيون وغاضبون ومنحرفون وشاذون وسيئون حتى على أنفسهم، وعاجزون وغير مهرة، ومثيرون للشفقة وعالة، ومهرجون ومضحكون))... مقابل حالات قليلة ظهروا على أنهم ((معجزون وخارقون)).
 
الدراما الجارحة
ليس هذا فقط، إذ تظهر دراسات{صورة المعاق في الدراما العربيَّة» بأنَّ الأوعية الاتصالية لم تقدم – هي الأخرى- الصورة المرضيَّة عن شريحة المعاقين في البلدان العربية، مؤكدة في معرض تناولها لتلك المشكلة بحثها على محورين: يتحدد الأول بتحمل الأوعية الاتصالية مسؤولية الصورة التي يحملها عامة الناس عن (المعاقين)، فكلما زادت المشاهد والتغطيات الإيجابيَّة والواقعيَّة عنهم، كلما أسهم ذلك في تغيير الصورة النمطيَّة عن هذه الشريحة لدى هؤلاء الناس، ويتمحور الجانب الآخر باعتقاد (المعاقين) بأنَّ من حقهم الطبيعي أنْ يظهروا في مختلف المحتويات، مثلهم مثل غيرهم من شرائح المجتمع، وخاصة عندما تظهر التقارير الإخباريَّة عنهم في وسائل الإعلام وباقي الوسائط المتعددة، فيجب أنْ تتضمن مثل هذه التقارير أشخاصاً منهم يمثلون وجهات نظرهم، بشكل صحيح وسليم، ويظهر احتياجاتهم ومتطلبات إعادة دمجهم في المجتمعات.
 
خريطة فك العزل
قد يظهر ما طرحناه أثر الأوعية الاتصاليَّة المتعددة المتعاظم في تشكيل{الصور الذهنية» وتوجيه السلوك، غير تلك التي كرستها المضامين الإعلاميَّة التقليديَّة، والحاجة الملحة للقائمين على القائمين في الاتصال فيها لتبني خريطة {فك العزل المرئي»، التي يمكن أنْ تنهض بوظائف الاتصال في الإخبار والتعليم والإرشاد والتدريب والترفيه بين شريحة (المعاقين) وتحاول {نقض» الصورة السلبيَّة المتكونة عنهم، وتراعي عدم الوقوع في الخطأ من خلال تكريس شعور {المعاق بالانعزال».
باعتماد أساليب إعادة الثقة بذات {المعاق»، وتزيد من مجالات إعادة دمجه بالمجتمعات، على وفق تخطيط يوافق الواقع الموضوعي للمجتمع العراقي الذي اجتمعت فيه عوامل متعددة نجم عنها زيادة كبيرة في اعداد هذه الشريحة المهمة، وهو ما يتطلب توظيف قدرات المنصات الرقميَّة التفاعليَّة، لمطالعة احتياجات شريحة (المعاقين) في العراق، ويمكن أنْ تبدأ من خلال تأسيس منصة رقميَّة من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعيَّة، تستثمر مزايا المحتويات الرقميَّة التفاعليَّة لتحقيق أهداف إعادة دمج تلك الشريحة في المجتمعات، والإفادة من خبراتهم ومهاراتهم المختلفة وتتصدى لبقية الأهداف، شرط ألا تكون تلك المنصة نوعاً إضافياً من العزل الاتصالي للمعاقين، وتقف بالتالي بالضد من فكرة إعادة الإدماج.
إننا نوصي بـانتباهة رقميَّة فوريَّة وكبيرة لشريحة ذوي الاحتياجات الخاصة، بأنْ تكون المضامين التي تحملها منصتنا المقترحة شاملة {لجمهور المعاقين»، وغيرهم من مرافقيهم والمتعاملين معهم وعامة المتلقين، مع الأخذ بالاعتبار الواقع الصحي والنفسي لهم، وعدم التجريح بهم بشكلٍ غير متعمدٍ أو مقصود، وتقدمه على أنه إنسان فاعل في مجتمعه، لا كونه{عالة اجتماعية»، وأنَّ {إعاقته» لن تقف حائلاً أمام دوره كفردٍ منتجٍ في المجتمع، وندعو القائمين بالاتصال في إعلامنا التقليدي المحلي إلى التعرض لقضية احتياجات ودور (المعاقين) بشكل ممنهج في خططهم البرامجية الاعتيادية، وإيقاف بث ما يمكن أنْ يسيء لتلك الشريحة بالسخرية أو التجريح بهم أو يسهم في تكريس الصورة السلبية عنهم.
* خبير التواصل الرقمي