علي الوردي والدراويش

الخميس 15 تموز 2021 237

علي الوردي والدراويش
محسن حسين
 
في مثل هذه الأيام (13 تموز) من عام 1995 توفي عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي وهو من أبرز الشخصيات التي تعرفت عليها في بداية عملي في الصحافة عام
1956.
كنت في ذلك الزمن اعمل في جريدة الشعب ومجلة الاسبوع  الصادرة عنها وهي واحدة من أهم الصحف في العهد الملكي.
كان الدكتور علي الوردي يتردد علينا بشكل دائم ويكتب بعض المقالات. جاءنا ذات يوم واخذنا نحن مجموعة من الصحفيين العاملين في المجلة لمشاهدة الدرباشة في غرفة صغيرة في الحضرة الكيلانية في باب الشيخ ببغداد.
ذهبنا مع الوردي ونحن متشوقون لرؤية الخوارق التي كنا نسمع بها. كنا حافظ القباني  ورشيد كرم وسليم طه التكريتي والرسام غازي عبد الله وسعيد الربيعي وانا.
هناك شاهدنا فعلا اعمالا مدهشة بعضنا قال انها من عمل السحر والبعض الاخر اعتبرها من اعمال الشعوذة والبعض قال انها من الخوارق او هي من اعمال التنويم المغناطيسي. وكان الوردي يدرس ردود الفعل ويحلل ويستنتج كعادته في الظواهر التي حفل بها المجتمع العراقي.
وبينما كان الدراويش يضربون على الدفوف ويتمايلون بإيقاعات بدت لنا غريبة وهم يرددون عبارات المديح للنبي محمد (ص) والاولياء الصالحين الى ان فقد البعض منهم وعيه  وفجأة توقف ضرب الدفوف وساد صمت رهيب مدة قصيرة ثم عادت الدفوف في ايقاع سريع فتقدم احد الدراويش وسحب درباشة (شيش من الحديد) كانت معلقة على الحائط وصاح بكلمات لم افهمها وفي لحظة ادخل الدرباشة في بطنه وسحب ثانية وادخلها في رقبته وثالثة في الجهة اليمنى من وجهه فاخترقت الوجه وظهرت من الجهة اليسرى ثم تقدم شيخ الحلقة وادخل خنجرا في عينه وراح يدير الخنجر يمينا ويسارا كأنه يريد قلع عينه وتكررت هذه الاعمال دون ان يظهر على الدراويش اي شعور بالألم وبدون دماء.
 وبعد ذلك بأسبوع اخذنا الوردي الى حلقة اخرى في الكرادة الشرقية حيث شاهدنا رجلا يمشي حافيا على صاج  ساخن وعلى الجمر بل على الحطب الملتهب اضافة الى ما شاهدناه في الحلقة الاولى.
تلك كانت من اغرب ما شاهدته في حياتي الصحفية وفي حينه اثار تنظيم الدكتور علي الوردي زيارتنا لحلقات الدرباشة انتقادات عديدة رد عليها بمقال في المجلة  قال فيه: “حين ذهبت مع اخواني محرري المجلة الى حفلة الذكر في جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني امتعض مني فريق من الادباء وضحك على ذقني فريق اخر. لقد صرت في نظرهم درويشا مشعوذا. انهم يجزمون بان الخوارق المعروفة عن تلك الحفلات مكذوبة كلها ولا فائدة اذن من الذهاب اليها او من العناية بفحصها. لقد كان الواجب العلمي يقضي عليهم ان يأتوا معنا الى الحفلة ليشهدوا الخوارق بأعينهم ويلمسوها بأيديهم ولكنهم لم يفعلوا. انهم لا يريدون ان يكلفوا انفسهم عناء البحث او لعلهم متعصبون لا يودون ان يغيروا افكارهم التي اعتادوا عليها. قد يقول البعض منهم عن الخوارق بانها من قبيل السحر وخداع البصر. واذا كان الأمر كما يقولون فلماذا لا يذهبون اليها ليدرسوا خداع البصر الذي يزعمونه. أليس خداع البصر من الظواهر النفسية التي يجب ان تدرس.
المظنون انهم ورثوا الكبرياء والتعالي الفكري من اسلافهم وكأنهم يعتبرون الفكر اسمى من ان ينزل الى مستوى العامة. او يفحص ما يعتقد به الناس من حقائق أو أوهام. انهم يكتفون بان يجلسوا على الاريكة الوثيرة يتأملون فهذا هو سبيل العلم في رأيهم، وهم ينسون انهم يعيشون في القرن العشرين.