موسم الحج.. مناسك الصفاء الروحي

الخميس 15 تموز 2021 647

موسم الحج.. مناسك الصفاء الروحي
 سعاد البياتي
في منظر مهيب مكلل بالخشوع وعلى وقع لهفة الحجيج في الوصول الى الديار المقدسة، تبدأ الرحلة الايمانية من هنا من لحظة صعود الحافلة التي توجت بلافتة كتب عليها ضيوف الرحمن متوجهة الى صالة المطار.وتبدأ رحلة الحج عادة بمشاعر الفرح والاطمئنان وبالدعاء والابتهالات التي تسمع وقعها حتى في انفاسهم، فينسى الحجيج تعب السفر لانهم سيكملون الركن الخامس من اركان دينهم، وقد ظلوا طوال حياتهم يتمنون ذلك، فيدخرون له المال ليذهبوا لزيارة الكعبة والطواف حولها وأداء كل المناسك بالرغم من العناء، لا سيما اولئك الذين تقدم بهم العمر.
ايام الحج المباركة لا تمحى من الذاكرة ابدا، مهما طال الزمن واختلطت معها اليوميات والاحداث الكثيرة، انها رحلة البركة التي احسستها ولامست الروح والقلب، كتلة من الفيوضات الرحمانية التي نزلت بالخير يوم استقرت الأمنية في تضاريس القلب مستبعدة تحقيقها الا على قدرة الله عز وجل الذي جعلني ساجدة حينما اعلن عن قبولي في رحلة الحج للعام 2019، وكانت المفاجأة الكبرى والحلم الواقع، لتبدأ مكللة بالايمان والصبر.
 
أدوار مهمة
في كل حملة يوجد مرشد ديني له خبرة ومكانة علمية في التوجيهات بما يخص مناسك الحج، وله دور رائد في تسهيل الامور الدينية وتبسيطها بشكل محبب، لان الرحلة بحد ذاتها يجملها الصبر والايمان والادعية وغيرها، لذا كانت له مكانة معززة في نفوس ضيوف الرحمن، فكل المتواجدين في حملته ينصتون اليه ويسمعون توجيهاته وكأنه معلم.
عن هذا الدور تحدث لـ «الصباح» سماحة السيد المرشد حسين الجزائري بالقول: للمرشد الديني دور رئيس في تهيئة الحجاج واعدادهم على الاصعدة كافة من الجوانب الروحية والقلبية والعقلية والفقهية والاخلاقية، فيجب عليه الاحاطة التامة بالبرنامج الفقهي، فضلا عن معرفة افراد الرحلة من عجزة ونساء ومرضى وشباب، كل حسب مواطن الضعف والاحتياج لمعالجتها.
واما من ناحية الاخلاق والروحانية، فقد جعل الحجاج يعيشون بأجواء روحانية منذ بداية الرحلة، بدءا بزيارة الرسول الاعظم(ص) والمساجد التي وطأتها اقدام سيد البشرية واصحابه الاخيار الى نهاية المناسك، ويستوعب حجاج بيت الله البرنامج الديني من المرشد المختص عن طريق الخبرات المتراكمة، فضلا عن سعة الصدر التي يتمتع بها المرشد والذهنية العالية للتمكن من وضع حلول سريعة وخالصة لكل حاج والحالة النفسية للحجاج وتخفيف المسائل الصعبة الخاصة بمناسك الحج وشرحها ببساطة تتناسب مع تفاوت العقول والمستوى الثقافي، والمهم في الموضوع انه انساني بحت. 
وعن الجانب الروحي تحدث الجزائري قائلا: يحاول المرشد اضفاء الجو الروحاني من خلال قراءة الادعية وشرح كل منسك وارتباطه بالمكان ما يجعل الحاج يتعايش مع الجو الايماني ويرتبط نفسيا بالمكان، ويتفاعل معه بشكل يليق بالمراسم الدينية، وما يترتب عليها من تبعات ايمانية صادقة وملتزمة. 
 
مكة وجبل النور
وعلى وقع التلبية الجماعية تتدفق سيول الحجيج البيضاء الى جبل عرفات ومحيطه، لتأدية مراسم ذلك اليوم المهيب بلوحة لم يجرؤ اي تشكيلي على رسمها كما هي، فقد تدفقت الاعداد الكبيرة من كل الجنسيات العربية والغربية المسلمة، وهم يرتدون الاحرام الابيض وكأنهم ينسلون من الاجداث تهيئة للحساب، صورة رهيبة ومنظر يخطف الابصار، والكل يردد التلبية الواجبة (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك)، يا لها من جملة تسحق الذنوب وتقع على القلب كالماء البارد، لترافق بالدعاء والابتهال الى الباري ليحمي العراق ويخفف عنا الذنوب والآثام، لنتفاجأ بسيل المطر الغريب في ذلك النهار الصيفي الحار، اذ كان مطرا شديدا ورياحا قوية اقتلعت الخيام، والمدهش في الأمر ان الحجاج جميعا خرجوا يغتسلون بتلك المياه الربانية بشكل غير طبيعي، وكأنها هدية السماء الينا.
 
لا جدال في الحج
انتهى كل ذلك في عرفة لنتجه نحو المزدلفة للمبيت والتقاط الانفاس والحصى في تكرار لمشهد سنوي آسر يعاد فيه تجسيد رحلة التوحيد الاولى التي اختطها نبي الله ابراهيم(ع) ويعاد احياؤها في التاسع من ذي الحجة، تلك اللوحة الانسانية الناصعة للإسلام من خلال ركنه الخامس الذي حدد مناسكه الرسول محمد (ص) التي تتكرر تفاصيلها لتضم في طياتها قصصا واجناسا واعراقا بشرية متعددة، الكل يبتسمون مستبشرين بما اتحفهم الله عز وجل من بركة الحج وزيارة مسجد الرسول الاعظم (ص)، اذ توقفت كل الافكار والمذاهب.
لوهلة عن الجدال (لا جدال في الحج) وتوجهت نحو السماء بقلوب يملؤها الرجاء لنيل العفو والغفران في طوافنا نحو الكعبة الشريفة التي تزهو بهيبتها، وجمال منظرها واصوات الحجاج وهم يبتهلون حولها بالادعية السبعة. 
 
التجمع الإسلامي الأكبر
على طريق مناسك الحج، ابتداء من طواف الزيارة وصولا الى طواف الوداع، ومرورا بعرفة يوم الحج الاكبر والمزدلفة ومنى ورمي الجمرات الثلاث، تتوالى المشاهد الانسانية المعبرة عن مقاصد هذا الاجتماع الاسلامي الاكبر على الاطلاق الذي تشارك فيه حشود من مسلمي بقاع العالم، تتولى رعايتهم وتيسير امورهم في مناسك الحج المختلفة جهات امنية ومدنية متحفة بالترحيب والخدمة المجانية، تتكون من اكثر من ربع مليون مشارك يقدمون الخدمات لضيوف الرحمن، ليكون يوم عرفة حالة تجلٍ واتصال مباشر بين العبد وربه، اذ ترتفع الأكف بالدعاء وتتسامى الارواح من على جبل عرفة، حيث تكتسي المنطقة بالبياض وتتعالى من جنباتها التلبية والأدعية.
وفي المزدلفة حين يقف الحجيج لبرهة من الزمن متعرضين لاشعة الشمس، ليفتحوا قلوبهم معترفين لله بذنوبهم، متمسكين بحبل الرجاء ليغفر لهم ويتجاوز عن قبح اعمالهم، ليعودوا انقياء كاول يوم لهم في الحياة. 
 
تعارف ومشاركة
صور جميلة للطاعة والصبر والالحاح في الدعاء والتعايش والتمازج البشري في ابهى صورة، ازالت الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والعرقية وانتفت الحدود والحواجز المصطنعة، والتقت القلوب في فيض من المشاعر النادرة التي لا يمكن البوح بها الا في زمان ومكان محددين البيت الحرام والشهر الحرام، فأيام الحج والاختلاط مع اشخاص واناس لا تعرفهم فرصة طيبة وجميلة في التعارف والمشاركة في كل اليوميات من طعام ومنام واحاديث شتى، حتى وكأن الموسم المبارك وجد للاختبار والتقارب بين الناس، والدعوة الى التوحيد والتقرب الى الله عز وجل ونبذ الكراهية والعنف كانت اجمل الصفات التي تحلى بها الحجاج.
وكانت الرحلة الشريفة من ذلك العام حدثا كبيرا ومهما وعلى لسان اغلب الحجاج الذين تجمعنا معهم ارتباطات في العالم الافتراضي، اذ يحتفظون بصور الحج، ومازالوا يتذكرون ايامها وتفاصيلها الدقيقة، متمنين العودة وتكرار تلك الرحلة لحلاوة ايامها ومناسكها.
ومع تفشي الوباء اللعين انحسرت مناسك الحج وتقلصت الرحلات الايمانية مع توقف استقبال الحجيج خشية عليهم من المرض وما يسببه من كوارث انسانية جراء الازدحام والاختلاط، نسأل الله أن يكشف عنا هذا الوباء وتعود امور الحج طبيعية وانسيابية لجمال
احداثها.