ما بعد الحرائق

السبت 17 تموز 2021 191

ما بعد الحرائق
جواد علي كسار
 
في شتاء عام 2018م اشتركتُ بندوة عن الخطاب الإعلامي في معرض القاهرة للكتاب، ويومها اقترح عليّ الصديق والزميل سامي الجابري حضور توقيع كتاب جديد للصحفي المصري شريف عارف، بعنوان: «26 يناير: حريق القاهرة.. مدبرون ومنفذون». لفت نظري في الكتاب أن المصريين ما زالوا يكتبون عن حريق القاهرة عام 1952م؛ وهو الحريق الذي كان من المقدمات الأساسية، لتغيير النظام السياسي من آخر ملوك أسرة محمد علي باشا إلى العسكر وضباط الجيش، منذ انقلاب 23 تموز 1952م حتى اللحظة. الحقيقة لم يكن حريق القاهرة، هو الوحيد الذي أسفر عن تغييرات جذرية طالت النظام السياسي نفسه، وبدّلت مسار الحياة، بل فعلت ذلك ما أُطلق عليها في التاريخ بالحرائق أو النيران الكبرى، بدءاً من حريق روما التاريخي في عهد نيرون، الذي دام ثمانية أيام، انتهاءً بالحرائق المعاصرة.
في القاهرة نفسها تحديداً في نهاية العهد الفاطمي، أُشعلت النيران في الفسطاط (ضواحي القاهرة الحالية) لعرقلة دخول الصليبيين، وقد ظلت النار مشتعلة (54) يوماً وكان الدخان يُرى على مسيرة ثلاثة أيام، ولم يبقَ من المدينة سوى مسجدها الكبير. حريق موسكو عام 1813م الذي دام خمسة أيام، انطلق بمبادرة من أهالي المدينة أنفسهم، خوفاً من غزو نابليون لمدينتهم، في بريطانيا يسجّل لنا التاريخ مجموعة حرائق مروّعة، أتت على عمران المدينة، وخلّفت خسائر فادحة، ربما كان أشهرها ما أُطلق عليه «حريق لندن العظيم» الذي دمّر المدينة القديمة، وأتهم به فرنسي أُعدم فعلاً، ولم تتعافَ لندن من خرابه إلا بعد ثلاثين عاماً من البناء والإعمار.
من أقرب الحرائق السياسية إلى الذاكرة، حريق البرلمان الألماني «الرايخستاغ» عام 1933م في الشهر الأول من عهد هتلر، وهو الحريق الذي أدّى إلى ترسيخ سلطته بسن قانون الطوارئ، وشرّع لإلغاء حرية التعبير والتجمّع، وخصوصية المراسلة، واعتقال الأفراد بتهم مدبّرة أو جزافية، وحتى من دون تهمة، ما سمح لهتلر بالاستيلاء على حكومات بعض الولايات الفدرالية، التي كانت بأيدي خصوم النازيين. ازدهرت في العراق «ثقافة» الحرائق ذات الأبعاد السياسية الممنهجة إبّان التغيير عام 2003م، وصارت لها قدم راسخة أكثر فأكثر، في السنوات التالية، وفي أيامنا هذه توالت الحرائق في المزارع والوزارات والمستشفيات وأبراج نقل الطاقة، والأسواق والمخازن والمحال الكبرى؛ والسؤال: هل تعبّر هذه الحرائق عن حوادث طبيعية عفوية، أم هي حرائق ممنهجة تبيّت أهدافاً سياسية، وتمهّد لتغييرٍ ما؟.