الرواية تكتشف

السبت 17 تموز 2021 146

الرواية تكتشف
  ابراهيم سبتي
 
الرواية عالم متشابك متفرع ومفتوح على مديات متعددة تصب في النهاية في نقطة اكتشاف المجاهيل التي تسعى الرواية للتنقيب والبحث والسؤال عنها. فالنص المتمدد طولا وعرضا وحبكة وسط الاحداث المصاحبة والمتشابكة، هو نص متفاعل يكبر ويتوسع ويتفرع وتتغير صورته وشكله ان دخل في البحث والتقصي والتنقيب الذي هو المهمة الاولى له والهدف الاخير الذي يسعى اليه الروائي. فالرواية تكتشف الامكنة الملغزة والغارقة في الغموض وتسلط الضوء على البقع المعتمة وتقود الى حل الالغاز وتطرح الاسئلة او تقود الى طرح اجوبة لأسئلة غير مكتوبة او مذكورة في النص. وفي زخم الكتابات الروائية الهائلة والتي لا يمكن حصرها، ثمة روايات تجبرنا على التوقف امامها ونرفع القبعة احتراما لها، انها تلك التي لامست ضفاف الافكار واستفزتها وحفرت في امكنة ظلت تبحث عن دروب للخروج من التيه في نص منتج يغاير الاعم السائد الذي لا يتعدى كونه خواطر وحكايات خالية من الاثارة والترقب والفكرة الهادفة. إذ إن الرواية التي لا تزيل الغبار وتكتشف الاشياء وتسجل كوثيقة سردية مهمة، لا تستحق عناء القراءة. إنها بلا شك عملية فرز معقدة وسط ركام الكتابات التي تدعي أنها روايات لا تحفر في الاحداث لاكتشاف ما يمكن اكتشافه ولا تقول سوى الكلام الهزيل المفكك. لذا كانت الروايات المتميزة، تطرح نفسها على انها اضافة مهمة للتوثيق التاريخي او الاخلاقي او الزمني للحدث، فتزيل ركامات الغموض وتفتح الابواب المغلقة ليتسلل الضوء الذي يزيل غبار العتمة. فكلما كانت القراءة مركّزة ومتأنية، يكون الاكتشاف واضحا وتزال الغشاوة السميكة التي يحاول البعض وضعها في كتاباته لصنع حالة من الغموض التي يعتقدها سترفع تلك الروايات لمصاف الروايات المتميزة. ان كم الكتابات الروائية الهائل الذي ينتشر اليوم في ساحتنا الثقافية والادبية، سيخلق طبقة من الكتاب يطلق عليهم بكتاب الرواية واولئك الذين تتميز كتاباتهم الروائية بالبحث والتنقيب والتأثير وقوة الحدث يطلق عليهم بالروائيين. إذن ثمة فرق شاسع وبون واسع بينهما، فالكاتب الروائي لا يستطيع ايصال ما يكتبه الى مصاف التميز والإبهار والإثارة والجد، فيسقط ما سوده على الورق في براثن الخواطر والبساطة والركاكة اللغوية والاسلوبية فضلا عن فقدان قدرته على الاقناع وهو امر مهم. يعتقد بعض الكتاب بأن كل ما يكتبونه تحت تصنيف الكتابات السردية الطويلة هو رواية وهو تجنٍّ كبير على هذا الفن المهم والخطير، فقد تصل الرواية المتميزة والمصنوعة بمهارة واتقان، الى مصاف القمة السردية أي قمة الهرم الابداعي في فن السرد ولا يدانيها في ذلك أي مصنف اخر. وهذه حقيقة لُمست في السنوات الاخيرة ونحن نطّلع على كتابات زاخرة بالإسهاب والترهل وفقدان الثيمة القوية المثيرة. وفي تعريف أكثر دقة لتلك الكتابات يقول ميلان كونديرا بأن (الرواية التي لا تكتشف جزءا من الوجود ما يزال مجهولا هي رواية غير مهمة وسطحية).. ولكي تسير الرواية في طريق التنقيب الطويل، على كاتبها اظهار قدرته في الاقناع وازالة كثبان الاتربة من المخبوء والاثارة والادهاش والحداثة في طرح ثيمته التي تكاد اليوم تختلط وسط القفزة الاسلوبية الحداثوية في الكتابة السردية وتغوص بين تلابيب الاحداث القوية التي تهز كيان المتلقي وتجعله مشاركا حيويا ومهما في صناعة النص. وهو النجاح الذي يبحث عنه الكاتب والناقد معا، حين يضعان اصبعهما على نقطة التحول الكبرى داخل النص الروائي وهي تسمو بكل ما هو مزيل ومكتسح للعوالق في طريق البحث ومن ثم الاكتشاف المحوري لبواطن المجهول والغموض.. وفي سياق التمسك بالروايات المهمة، نجد أنفسنا وقد احتفظنا بها في مكتباتنا البيتية لأنها صارت إرثا أدبيا وسرديا سيذكره التاريخ بنبل وإشادة لا تنقطع. من ثم فإن أي منجز روائي متميز ومثير، هو منجز تجده وقد مدّ مجساته للبحث عن الاسئلة والحفر داخل رقاع الغموض واستبطان الاثارة داخل العقل المتحفز للعثور على الابداع الكامن فيها.