الحياة في غابة الورق .. بغداد تعيد للكتاب تألقه.. كتّاباً وقرّاءً

السبت 17 تموز 2021 538

الحياة في غابة الورق .. بغداد تعيد للكتاب تألقه.. كتّاباً وقرّاءً
 البصرة: صفاء ذياب
 
لم يعد النشر في العالم العربي مقتصراً على دولة من دون أخرى، فإذا كان عدد هذه الدور في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي يعد على أصابع اليدين، فقد تجاوز عدد الناشرين في بعض الدول أعداد الكتّاب أنفسهم، وهذا نابع من الإقبال الكبير على اقتناء الكتاب، وانتشار المعارض العربية، حتى أن بلداً مثل العراق أصبح لديه أكثر من خمسة معارض دولية في السنة الواحدة.
وربّما كانت مقولة (القاهرة تكتب، بيروت تطبع، بغداد تقرأ) التي انتشرت في أربعينيات وحتى ثمانينيات القرن الماضي، كان لها وضع خاص، على الرغم من تأكيد أغلب المعنيين عدم دقّتها، غير أن أوضاع النشر والكتّاب والقرّاء تغيّر إلى أبعد حدٍّ ممكن، ففي آخر إحصائية لاتحاد الناشرين العرب، حافظت القاهرة على المركز الأول بعدد دور النشر التي تجاوزت الألف دار، في حين صعدت بغداد إلى المركز الثاني مقابل تراجع مدن مثل بيروت إلى مراكز متأخرة..
فهل ما زلنا نصدّق مقولة (القاهرة تكتب، بيروت تطبع، بغداد تقرأ)، التي قيلت لأسباب قومية وليست ثقافية؟
 
بغداد القارئة
الكاتب والصحفي علي حسين يرى أن هذه مقولة كثيراً ما كنا نرددها بنشوة، لاسيّما في بغداد التي اشتهرت بأنَّها سوق جيدة للكتاب. كانت هذه المقولة التي أطلقها طه حسين، تعبّر عن التكامل الذي تعيشه البلدان العربية آنذاك، ولكنها أيضاً لا تمثل الواقع كاملاً، فبغداد ظلّت تكتب وتنشر وحقّقت في السبعينيات والثمانينيات طفرة في مجال النشر، إذ كانت دور النشر ولاسيّما دار الشؤون الثقافية ودار المأمون تتسابقان في نشر أحدث النتاجات العربية والعالمية، ولأنَّ بغداد مركز القرّاء كما كان طه حسين يصفها، فإنّها على الرغم من تعرضها للحروب والنزاعات ما تزال تسعى لدخول سباق نشر الكتاب وصناعته، وقد تمكنت دور النشر العراقية في السنوات الأخيرة، على الرغم من القوانين المجحفة التي تمنع تصدير الكتاب العراقي، وأيضاً انعدام الدعم الحكومي للكتاب العراقي، أن تنافس دور النشر العربية وأحياناً تتفوّق عليها، وأصبح الكتاب العراقي؛ مضموناً وشكلاً، يعدُّ علامة متميزة في معارض الكتب العربية مما يجعلنا نكتب مقولة جديدة بغداد تكتب وتطبع وتقرأ، وتصدّر الكتاب إلى العرب.
 
ثالوث الكتاب
ويرى الشاعر والمترجم العراقي عبود الجابري أن الجواب سيكون، لا، بطبيعة الحال، غير أنّ هناك ما يمكن قوله في هذا المضمار من خلال النظر بعين الاعتبار لما مرّت به هذه العواصم من تقلّبات سياسية واقتصادية وثقافية، وأظنّ أنَّ من نافلة القول إنَّ ثمانينيات القرن الماضي وضعت بغداد في المقدمة من حيث النشر، بغضّ النظر عن طبيعة النظام الحاكم آنذاك، فقد كان لدار الشؤون الثقافية ودار المأمون للترجمة جهد واضح في نشر الكتاب العربي ووضعه في متناول اليد عبر مشاريع نشر هائلة ما زال العرب أنفسهم يتغنّون بها، لكنّها انتكست في فترة الحصار والمرحلة الزمنية التي تلت سقوط النظام، ولم نلحظ حراكاً مختلفاً في نشر الكتاب وتوزيعه عربياً إلّا في السنوات الخمس الماضية، إذ بدأت دور نشر عراقية بتكريس تقاليد راسخة للنشر والتوزيع، فتوزيع الكتاب العراقي أو المنشور في العراق كانَ علّة العلل، وذلك ما أفقد القراء متابعة ما ينشر في العراق وجعل الكتّاب يعرضون عن النشر في دور النشر العراقية بسبب عدم مشاركتها في معارض الكتب العربية لأسباب اقتصادية تتعلّق بتكاليف المشاركات، وسياسية مردُّها اضطراب علاقات العراق بالدول العربية إثر غزو الكويت. إلّا أنّي بدأت ألاحظ تباشير نهضة للكتاب العراقي. أما الثالوث الذي كان يتحدّث عنه الناس عن العواصم فلم يعد موجوداً لأنَّ القاعدة تخلّت عن أساسها، وباتت لكل مدينة دور نشر خاصة بها، في حين يتكاثر الكتّاب بشكل يتناسب طردياً مع الوعي السائد في الوقت الحالي.
 
إصرار الرداءة
ويبين الشاعر علي إبراهيم الياسري أن زيادة عدد الناشرين في العراق أمرٌ لا يتعلّق بأعداد القراء وسوق الكتب، فكلّما ساء وضع أصحاب الدور والمكتبات تجد أنَّ داراً جديدة قد تأسست.. وهذا أمرٌ غريب ويبعث على الحيرة. وأظنّه متعلّق بفهم الناشر لمعنى «ناشر» وأسباب مخجلة أخرى. ويضيف الياسري: الدور كثيرة وأكثر من اللازم! نتذكّر جميعاً أنَّ دور نشر محدّدة قد بلورت ثقافة المثقف العربي في الماضي وجعلتنا نتغنّى للآن بذاك الزمن.. فلماذا لم تسهم دور النشر الحالية بأعدادها الهائلة بخلق حركة ثقافية حقيقة لا تتغنّى بأنصاف الكتاب والكتب التي لا تستحق الطباعة. في المقابل هناك دور عراقية تستحق الإشادة، لكنها لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. وحين نتكلّم عن النشر فإنّنا نتكلم عن القراءة، لدينا عدد هائل من القرّاء الذين يقرؤون الرديء بإصرار وتفاخر قلّ نظيره. ويعتقد الياسري أنَّ إعادة المكانة للكتب لن تكون إلّا بعد تنفيذ ستراتيجيات كبيرة تتبنّاها المؤسسات المعنية مصحوبة بموقف جاد من المثقفين، الذين لم يفارقوا للآن (للأسف) فكرة المقهى الثقافي والدعوة السرية في عصر الميديا! أما "القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ" فيكفي أن نرى هذه المدن الثلاث.. لنعرف أنَّ ما يشغل إنسانها أكثر تعقيداً بكثير من مشكلات الكتاب.
 
ناشرون عراقيون
وفي محاولة لفهم هذه المقولة واستمرارها بعيداً عن القرّاء والمثقفين، كان علينا أن نقف على آراء ناشرين عراقيين لهم دور حقيقي في حركة النشر الآن، على الرغم من أننا استطلعنا آراء عدد أكبر، غير أن بعضهم اعتذر بسبب مشاركاته الآن في معارض دولية وانشغالات العمل لتجهيز عناوين جديدة.
 
بغداد في تألّقها
يؤكّد الناشر بلال محسن البغدادي، مدير دار سطور، أن تلك المقولة مغلوطة، إذ لا تتمثّل العملية الثقافية فيها بطريقة صحيحة، ولا تعكس الوزن الفعلي لأطرافها. الذي حدث في السياق التاريخي للتطوّر الثقافي للمنطقة، أنَّ لبنان أول من أسس صناعة طباعية متقدّمة، وكان الرائد أيضاً في خلق قطاع خاص يعمل في مجال النشر والتوزيع. العشرات من دور النشر الأهلية، لعبت دوراً خطيراً في طباعة ونشر الكتاب الثقافي والأدبي والفني العربي. في حين كان النشر في العراق خاضعاً لرقابة الدولة المشددة، وكذلك في مصر على نحوٍ أقل. ويضيف: كان المؤلّف العراقي ينشر كتبه في لبنان، لكي يحظى بقدر أفضل من الانتشار. لهذا السبب تولّد هذا الانطباع الخاطئ، ولأنَّ العقل العربي يميل إلى التعميم، فقد حوّلها إلى نوع من تصنيف ثابت، ومعادلة زائفة. الآن بغداد ومدن العراق تعجُّ بكتّاب ومثقفين كبار وعدد كبير من دور النشر الرصينة التي أسّست صناعة طباعية متقدّمة مع هامش كبير من الحرية وأصبح لها دور كبير ومشاركة واسعة في معارض الكتب الدولية. ويبقى القارئ العراقي المثقف متواجداً وحاضراً في كل وقتٍ وفي كل مكان.
وأخيراً (بغداد تكتب، بغداد تطبع، وبغداد تقرأ).
 
الجميع قرّاء
ويوضح الناشر حسين مايع، مدير دار قناديل، أن هذه المقولة حتى في زمانها، تبدو غير دقيقة، ولكنّها مقبولة ومنتشرة بشكل كبير، باعتبار أنَّ هذه المدن تمثّل حواضر الثقافة العربية حينها. أمّا الآن فلا صحة لها، في ظل كثرة المؤلفين الموزّعين بين بلدان عدّة، وكثرة دور النشر أيضاً، واتساع رقعة القراءة في بلدان وتقلّصها في بلدان أخرى، لأسباب عدة اجتماعية وسياسية وثقافية وغير ذلك. كما أنَّ هناك حواضر عربية أخرى تزاحم الحواضر الثلاث سالفة الذكر، كدمشق والرياض وبعض مدن المغرب العربي، وهذه الحواضر فيها من دور النشر والمؤلفين والقراء الكثير..
وإذا أردنا أن نردّد اليوم مقولة بهذا الصدد، فباستطاعتنا القول (الجميع يكتب ويطبع ويقرأ) مع الأخذ بنظر الاعتبار التفاوت بين مدينة وأخرى.
 
رقع تتوسع
من جهته، يقول الناشر سامر السبع، مدير دار نابو، أن هذه المقولة لم تعد صائبة. فمع التغيرات الكبيرة في المنطقة وصعود بعض الدول العربية مؤخّراً مثل دول الخليج، تأثّرت هذه المعادلة وتغيّرت بشكل كبير. اليوم هنالك مؤسسات خليجية كبيرة مهتمة بقطاع النشر ومدعومة من الحكومات. أنتجت العديد من الإصدارات المهمة وأسهمت برفد المكتبات العربية بالعديد من الترجمات. وهنالك أيضاً دور نشر عراقية مهمّة تلعب دوراً كبيراً في صناعة الكتاب العربي على مستوى المنطقة.
اليوم، بحسب رأي السبع، كبرت رقعة القراءة مع بقاء القارئ العراقي بالصدارة. أمّا في ما يخص الكتابة فهنالك نخبة من الكتّاب والمترجمين من المغرب العربي أخذت أسماؤهم تتردّد عند القرّاء العرب بشكل ملحوظ، فضلاً عن مترجمين وكتّاب عراقيين أصبحوا من أسس وتقاليد الثقافة العربية.