اقتصادنا.. والبجعة السوداء

الاثنين 02 آب 2021 369

اقتصادنا.. والبجعة السوداء
د. احمد الحسيني
 
لا يزال الاقتصاد العراقي يواجه كثيرا من الازمات ويعود السبب الى طبيعته الريعية والى استشراء الفساد المالي والاداري في العديد من مفاصله، بالرغم من محاولات الحكومات المتعاقبة بعد 2003 ايجاد حلول ناجعة لانتشال الاقتصاد من واقعه المرير، وبسبب هذه الطبيعة التي تلون هذا الاقتصاد، فان نظرية البجعة السوداء (The black swan theory ) تعمل وفق آليات محددة في الاقتصاد العراقي، ولعل القارئ يتساءل عن ماهية البجعة السوداء ؟ وما علاقة الاقتصاد بالبجع، سواء كان ابيض او اسود؟. من المفيد هنا اعطاء تصور بسيط عن نظرية البجعة السوداء، اذ ان دليل مصطلحات Harvard Business Review  اشار الى ان الاقتصادي John Stewart Mill  ،هو اول من استخدم هذا المصطلح في القرن التاسع عشر، عند حديثه عن التزييف في الوقائع الاقتصادية، وتدور فكرة البجعة السوداء في ( ان معظم الناس يعتقدون حتى قبل اكتشاف البجع الاسود في القرن الثامن عشر غرب استراليا، بان جميع طيور البجع لونها ابيض، ومن ثم فان مشاهدة بجعة سوداء لاول مرة تمثل مفاجأة وصدمة للكثير، وهذا لا يمثل مربط الفرس، فالقضية تتعلق بمحدودية معارفنا المستقاة من المشاهدات التاريخية ومن الملاحظة والتجربة).
عموما ان ما يطلق عليه بالبجعة السوداء حدث يتمتع بثلاث خصائص اساسية: انها عرضية، كونها خارج التوقعات، او من الصعب التنبؤ بها، وتتضمن تأثيرات بالغة الشدة ذات انعكاسات قوية وربما كارثية في بعض الاحيان. ولكي يأخذ حدث ما، صفة البجعة السوداء يجب ان يكون مفاجئا وغير قابل للتوقع، وله تأثير كبير ومن ثم بعد وقوعه تظهر التفسيرات والتوقعات والتحليلات، لذا فان جميع الكوارث والحروب الداخلية والخارجية والاوبئة، يمكن ان نطلق عليها البجعة السوداء، خصوصا انها تحدث من دون سابق انذار وتكون مفاجئة وغير متوقعة، ولها تاثيرات وعواقب وخيمة على مجمل النشاط الاقتصادي. والعراق بوصفه جزءا من المنظومة الاقتصادية العالمية تأثر بفعل حالة الركود العالمية، التي قادت الى انخفاض الطلب على النفط الخام، ما ادى الى تراجع اسعاره وصولا الى 32  دولارا للبرميل في بداية الجائحة، ولم يتوقف الامر على صادرات الخام وانما بسبب اجراءات التباعد الاجتماعي والقيود، التي فرضت على المجتمع، فتراجعت السياحة العالمية والدينية، ما اثر كثيرا في تكوينات الناتج المحلي الاجمالي. لم يكن تفشي جائحة كورونا حدثاً عابراً كغيره من موجات انتشار الأوبئة والامراض، التي ضربت العالم، اذ لم تكن ازمة الكساد الكبير ولا كل موجات الركود والأزمات على مدى القرنين الماضيين بمثل هذا الاستنزاف والخسائر الكبيرة في 6 أشهر فقط، وإذا كنا قد أطلقنا اسم البجعات السوداء على كل الازمات والاحداث والكوارث والاوبئة، التي مرت على الاقتصاد العالمي، فإن ازمة كورونا هي بجعة سوداء قاتمة السواد تختلف عن سابقاتها، بسبب تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة على كل الاقتصاد العالمي.