في مواجهة الإرهاب الداخلي

الاثنين 02 آب 2021 128

في مواجهة الإرهاب الداخلي
 ترجمة وإعداد: أنيس الصفار                                      
في شهر حزيران الماضي نشرت إدارة بايدن ما أطلق عليها "الستراتيجية القومية لمواجهة الارهاب الداخلي"، وهي أول وثيقة من نوعها تتناول هذا الموضوع بالتحديد. هذه الستراتيجية، شأنها شأن معظم الستراتيجيات التي قد تعلنها اية ادارة في أي شأن، ليست ستراتيجية حقيقية تعيد تشكيل القرارات العملياتية بقدر كونها تصريحات معلنة تتعلق بالأهداف والمبادئ لا أكثر. برغم ذلك هي اقرار رسمي مرحب به بخصوص حقيقة المصادر التي تنبع منها معظم التهديدات الارهابية الموجهة الى الولايات المتحدة اليوم.
هذه الحقيقة تتنافى مع المفهوم الذي انتشر وشاع خلال العقدين الأخيرين عقب هجمات 11 أيلول، وخلاصته أن التصدي للإرهاب يرتكز أساساً على ملاحقة الجهاديين الأجانب وتصفيتهم، لأن أحداث الموت في الولايات المتحدة على ايدي المنظمات الجهادية الأجنبية قد انعدمت تقريباً منذ 11 أيلول. 
عندما كانت الحركات الجهادية هي المتورطة بالهجمات داخل الولايات المتحدة، كان الأمر محصوراً في عقول أفراد، هم إرهابيون نشأ معظمهم في البيئة ذاتها، وحتى تلك الهجمات فاقتها عدّاً تلك التي تورطت فيها أنواع أخرى من الارهاب مختلفة كل
 الاختلاف.
تعيد وثيقة الستراتيجية علينا بعض العناوين التي ألفنا سماعها يوم كان الحديث مركزاً على مواجهة الارهاب الخارجي، كالقول إن على الوكالات الحكومية تبادل المعلومات مع بعضها بحرية أوسع. 
تحسن الوثيقة تشخيص المقيدات الذاتية والقبول بالتنازلات والمقايضات المتأصلة والملازمة لأي مسعى يبغي التصدي للارهاب الداخلي، وهي بهذا الصدد أفضل في تشخيص المشكلات منها بوضع حلول ذكية لتلك المشكلات. مثلاً، تشير الوثيقة الى أن "من شبه المؤكد ان يبقى متاحاً على شبكة الانترنيت قدر من المواد ذات الصلة بالحشد والتجنيد للارهاب المحلي"، لكن كل الذي استطاعت طرحه رداً على ذلك هو "نحن نسعى لإيجاد سبل مبتكرة للعناية بمحو الأمية الرقمية والبرامج المتعلقة بذلك، ومن بين ذلك المواد التعليمية والمصادر التفاعلية على الشبكة، مثل الألعاب المطوّرة للمهارات". من الواضح هنا أن الشوط لا يزال بعيداً حين تعتبر ألعاب الإنترنيت هي الرد المناسب على التضليل الاعلامي وحملات الأكاذيب التي تؤدي الى التطرف وخلق البيئة الحاضنة للإرهاب الداخلي.
يقع أهم مقطع في وثيقة الستراتيجية، وهو المقطع الذي يتناول تشخيص المشكلات الاساسية الباطنة التي لن تذعن للحلول السهلة المشار اليها، في "العمود" الرابع والأخير من الستراتيجية تحت عنوان: "التصدي لمن يتوقع انخراطهم في الارهاب الداخلي على المدى البعيد". فكما في حالة الارهاب الخارجي تحدد الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة بالارهابيين الداخليين المحتملين اكثر من سواها إن كان هؤلاء سيقدمون على الخطوة الحاسمة ويتحولون الى العنف الارهابي. بيد أن التعامل مع هذه القضايا سوف ينجر على الفور الى السياسات الداخلية حيث ينعدم الاجماع.
برغم كل الجهود التي بذلها معدو الوثيقة لتذكير الناس بأن الارهاب لا ينحصر بآيديولوجية معينة او ميول سياسية بالذات، فإن معظم الارهاب الداخلي في الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة شهد حضوراً واضحاً لمتطرفي الجناح اليميني، ولن تجدي مساعي هذا اليمين لتضخيم دور الحركات الاخرى، مثل "أنتيفا" و"حياة السود مهمة"، في دحض هذه الحقائق الاحصائية. الاقرار بهذه الحقائق اساس مهم لوضع نهج واع ومتفتح في مقارعة الارهاب الداخلي. انسجاماً مع تلك الحقائق يقدر الوسط المخابراتي ان "المتطرفين العنفيين المدفوعين بدوافع عرقية او اثنية" ومثلهم "المتطرفون العنفيون المرتبطون بجماعات" هم الذين يمثلون التهديدات الأشد خطورة، في حين توجه الانظار حصراً الى الروابط العابرة للقومية لأولئك المتطرفين "المروجين لفكرة تفوق العرق الأبيض".
الى جانب إسهابها بشأن ضرورة مكافحة العنصرية تستعرض وثيقة الستراتيجية أموراً مثل مساعي الإدارة لإنعاش الأوضاع الاساسية، من خلال العمل على ايصال اعانات مالية فورية الى ملايين الأميركيين من اجل المساهمة في تحقيق تعاف اقتصادي عادل يستطيع التصدي للاختلالات الاقتصادية، وحتى إزالة اليأس الذي استولى على قلوب كثير من الأميركيين، على حد تعبير الوثيقة. لنا طبعاً أن نتوقع رفض المعارضين السياسيين للإدارة ذلك، لزعمهم ان المسألة مرتبطة بأجندات اقتصادية للديمقراطيين اكثر من صلتها بالتصدي للارهاب الداخلي. بيد ان الوثيقة تتخذ مساراً صحيحاً، إذ تتبنى منظوراً أوسع للمشكلة الاساسية الباطنة، حين تشخص ضمن الأولويات مسألة تعزيز إيمان المواطن بالحكومة، والتعامل مع ظاهرة الاستقطاب المتطرف التي تستمد وقودها من أزمة المعلومات الخاطئة والمضللة التي غالباً ما تتدفق عبر منصات التواصل الاجتماعي. الأزمة المذكورة من شأنها تمزيق نسيج المجتمع الأميركي والقاؤه في دوامة العنف. جاء في نص الوثيقة ان هذا النوع من التعامل يتطلب تسريع وتائر العمل لخلق بيئة معلوماتية تستطيع النهوض بتحديات الخطاب الديمقراطي الصحي، وهذا يتضمن إيجاد سبل لمواجهة فعالية نظريات المؤامرة وتأثيراتها الخطيرة التي يمكن ان تفتح أبواباً ينفذ منها العنف الارهابي. يتطلب الأمر برامج وسياسات قادرة على تعزيز المشاركة المدنية وبث روح الالتزام المشترك بالديمقراطية الأميركية.
الطريقة الأخرى لوصف المشكلة على نحو يخلو من المجاملة، القول بأن نسبة ملحوظة من الجمهور الأميركي لم تعد تشارك الاخرين الالتزام بالديمقراطية الأميركية بعد أن شوهت مفاهيمها المعلومات المضللة، وحرف ولاءها ضباب القبلية الحزبية، ومن بين صفوف هذه النسبة ثمة شرذمة سوف تنحو نحو الارهاب، وهذا هو ما حدث عند مبنى الكابيتول في يوم 6 كانون الثاني. فما دام الحدث قد تضمن اعمال عنف على يد فاعلين لا ينتمون الى اجهزة الدولة بغرض تحقيق هدف سياسي – هو تغيير نتائج الانتخابات في تلك الحالة- فإنه يعدّ ارهاباً.
مهما بذلت قوة المهام المشتركة من جهد في مكافحة الارهاب، ومهما بلغ حجم المعلومات المتبادلة والاجراءات الاخرى التي أوردتها وثيقة الستراتيجية الجديدة، فإن مشكلة الارهاب الداخلي ستبقى ما بقيت المشكلة الاساسية: مشكلة المواقف السياسية وتفرق الولاءات، وما دامت المشكلة باقية فإن الخطر باق، لا على من وقعوا ضحية الارهاب فقط، بل على الديمقراطية الأميركية نفسها ايضاً، وتلك هي الخسارة الأفدح.
 
بول بيلر
عن موقع "ذي ناشنال إنتريست"