الكراهية والنقد

الخميس 05 آب 2021 133

الكراهية والنقد
 د.علي المرهج
تقترن الكراهية بالعداء، والخوف من الآخر، وعدم الثقة به، وهي عند الذي يعيش حب (الأنا) إنما يجد الكثيرين أعداء له، وإن أظهر أنه محبٌ لهم.
 
 
قد تقترن الكراهية عند من يُجيد التعبير عن الحب الزائف لك أكثر مما تقترن بالصادق، الذي يعبر لك عن مشاعره الناقدة أو الناقمة من بعض تصرفاتك أو رؤاك، وقد يكون المجامل لك والكثير المدح أخطر من الذي تظن أنه كاره لك، إذ ينبغي أن نُعيد حساباتنا وتقييمنا لمواقف الآخرين في ضوء ما ذكرته عن {التعبير الزائف عن الحب}، وفي المسكوت عنه هو (كراهية حقيقية)، (كمن يدس السم بالعسل) كما يُقال، لذلك علينا التمييز بين هذا وغيره من الصادقين الصدوقين في (التعبير الصادق عن الحب) رغم مرارة نقدهم لنا.
قد نتمكن من معرفة كراهية شخص ما لا من خلال نقده الشديد، فقد يكون النقد لموضوع ما، ونقد الموضوعات لا يعني نقد الذوات، وحينما لا نتحمل النقد، قد نقرنه بالكراهية، وهذا خطأ ينبغي تداركه. الكراهية بالرغم من أنها موقف شعوري قد لا يكون صادقاً، لكن التحقق من صدقه يكمن في مواقف (الأصدقاء) في الشدائد ساعة الحاجة لهم.
أن ينتقدك شخص ما في موضوع ما، فلا يعني نقده بأي حال من الأحوال أنه كاره لك، ولكنه قد لا يتفق حول رؤيتك حول قضايا معينة.
لو قرأنا نقد جورج طرابيشي لرؤى محمد عابد الجابري خارج مفهوم (نقد الموضوعات لا نقد الذوات) لقلنا إن طرابيشي كاره لمحمد عابد الجابري، وهذا قول لا يصح في مجال (الأبستيمولوجيا)، لا سيما إذا عرفنا أن طرابيشي قضى ما يقرب من عشر سنين لقراءة مشروع الجابري والاعجاب به، ومن ثم نقده، لذلك أعتقد أن ما كتبه طرابيش إنما هو استكمال لمشروع الجابري الذي يعيش بالنقد.
كل مشروع ورؤية جديدة لا يطولها النقد ستموت اليوم أو غداً.
ترتبط الكراهية بنزعة عقائدية (دوغمائية) أو أيديولوجية، لا يقبل الكاتب بها النقد لأنه ينطلق من سلط (احتكار): احتكار الدين أو العقيدة أو الأيديولوجيا، فتجد كل نقد يوجه له يوضع موضع (التخوين)، و(التخوين) اقصاء للنقد، وهو نوع من أنواع الممارسة المعرفية في احتكار الحقيقة، ووصم المخالف بأنه كاره بتعبير مُخفف يُضمر في داخله ما يشي أن هذا المختلف (خائن) للصداقة أو (خائن) للعقيدة الفكرية للمُنتقد.
الكراهية موضوع قيمي يدخل في الأخلاق، ويرتبط في (البغضاء) و (الحسد)، فتجد (المتسامح) يحمل صحبه الذين يظن أنهم له من الحاسدين والمبغضين على سبعين محملا، ولكنه في كل الأحوال يبني معرفته على متبنياته الذاتية في ما يعتقد أنه (كراهية) وكل مُتبنياته هي (الحب)، وكأن الآخرين ينتظرون حكمه عليهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور، أو يُدخلهم في الظلمات لأنهم من (الكارهين)، (الحاسدين) و(المُبغضين)!، لكن كيف نعرف المبغض والحاسد؟ نعرفه حينما يُنافسك على موقع ما هو لك، ويعمل لأخذه منك بالكيد بك، أو يتمنى زوال ملك لك وألا يفرح لفرحك ولا يحزن لحزنك ولا يسأل عنك ولا يفتقدك، أما النقد، فهو تقييم وتدعيم للمنجز، ولا علاقة له بالكراهية حتى وإن كان شديداً. 
قد يكون ربط النقد بالكراهية أمر مقبول عند الأيديولوجيين العقائديين، الذين يحتكرون الحق في مجتمعاتنا وكأنهم الأوصياء على هذا الحق، ولكن لا يصح في حال نقد منظومة فكرية لمشروع فكري غايته تقديم رؤية جديدة، أن يُصنف المخالفون له والناقدون على أنهم كارهون، ومن يمدح وكان غير صادق في مدحه يكون من المُحبين.