المجد للمتضامنين

الخميس 05 آب 2021 212

المجد للمتضامنين
د. عبد الخالق حسن
هل يمكن للمنتصر أنْ يتقاسمَ انتصاره مع من يخوض معه نزالاً أو منافسةً؟. لا شك أنَّ هذا الأمر يحتاج إلى روح كبيرة تقفز فوق الأنانيَّة وحب الذات.
ربما من الصعب أنْ يحدث هذا في معركة أو تجارة أو أي ميدانٍ آخر، تتصاعد فيه نار التنافس إلى درجة الاحتراق بالمعنى الرمزي وليس الحقيقي للاحتراق. لكنَّ الرياضة وحدها تمنحنا مثل هذه التفاصيل الجميلة عن نكران 
الذات. 
حدث هذا قبل أيام حين اقتسم رياضي أولمبي قطري اسمه معتز برشم فوزه في منافسات القفز العالي مع رياضي إيطالي، ليتناصفا الميداليَّة الذهبيَّة، بعد أن استشارهما الحكم. كان الرياضي القطري أقرب للفوز لأنَّ منافسه كان مصاباً وعانى من تراجع في أدائه، لكنه فضل أنْ يمنح منافسه الإيطالي مكاناً بجانبه على منصة التتويج 
الذهبية. كانت قفزات الرياضي الإيطالي المملوءة بالفرح، هي اللقطة التي ستظل عالقةً في أذهاننا. 
لقطة تعبر عن لحظات إنسانية نادرة تكرمت بها علينا روحٌ متجردة من التلوث والطمع. مثل هذه اللقطات تتكرر أحياناً في كرة القدم. 
يتصنع لاعبٌ حالة إعثار ضده أو يسجل هدفاً بيده، وحين يعلن الحكم القرار لصالحه يتدخل اللاعب ويعترف بعدم صحة القرار، فتفوز الإنسانية هنا ويفوز الصدق.
المؤلم هنا أننا نتحدث عن مثل هذه المواقف بفرح وسعادة ونحتفي بها أيَّما احتفاء. 
منبع الألم هنا يأتي من أنَّ مثل هذه المواقف كان يفترض أن تكون هي السائدة بين البشر وغيرها يكون الاستثناء. لكنَّها لندرتها صارت تمثل علامات فارقة تجعلنا نطير بها فرحاً وكأننا اكتشفنا كنزاً مخفياً.
نعم، مثل هذه المواقف هي مرايا تعكس الأشياء الجميلة داخل نفوسنا، الأشياء التي اخفتها أتربة الطمع 
والشره.
حين ننظر من حولنا إلى سلوك الحيوانات وحتى النباتات، نجد أنها بطبيعتها تعيش على مفهوم التكامل، الذي يجعلها تستمر في حياتها من دون منغصات، ويمارس كلٌّ منها دوراً خاصاً به يجعل المملكة التي يعيش فيها تسير بنسق منظم. فبعض الطيور مثلاً نراها تحط على بعض الحيوانات لتخلصها مما يلتصق بها من حشرات وتغذي نفسها.هناك طيرٌ مثلاً يدخل في فم التمساح الفتاك بكل أمان ليخلصه مما علق بأسنانه من بقايا فرائسه.. وهكذا.
مثل هذا التضامن الذي نفتقده اليوم هو أحد أسباب الجوع والفقر الذي يصيب الإنسان. في المملكة الحيوانية لن تجد كائناً يموت بسبب الجوع إلا إذا كانت هناك كارثة تشمل الجميع. لكن ما دام الرخاء سائداً، فالجميع يحصل على قوته.
لهذا، فإنَّ ما صنعه اللاعب القطري معتز برشم هو سلوكٌ يعبر عن التضامن الإنساني المفقود. التضامن الذي جعله يقتسم لحظات فرحه مع من كان يُفترض أنه منافسه على المجد والتاريخ.