معاناة فلسطينيي الداخل منذ الحرب الأولى

الاثنين 13 أيلول 2021 140

معاناة فلسطينيي الداخل منذ الحرب الأولى
 روجر كويين  
 ترجمة وإعداد: مي اسماعيل
نظر المجتمعان الفلسطيني واليهودي فوق رؤوس بعضهما؛ إلى أن أجبرهما العنف وسفك الدماء على وقفة حساب.. فقد كشفت رحلة في أرجاء بعض المدن والبلدات المختلطة عن عمق عدم الفهم المتبادل هذا. فبعد 73 سنة من اعلان اليهود اسرائيل كدولة سنة 1948، التي أخرج بعدها مئات الآلاف من العرب من مناطقهم بحد السلاح، فضلا عمن هرب منهم؛ خوفا من مذابح محتملة؛ يعيش العرب واليهود ضمن أحياء متجاورة لكنهم يجهلون حياة بعضهم البعض. وتعيش المدن التي تم تصويرها على أنها نماذج للتعايش السلمي حالة من الغليان المتذبذب ويتفاقم فيها الاستياء الناجم عن المعايير المزدوجة.
هجوم.. وهجوم
قبل بضعة اسابيع، هوجمت «سما أبو نصّار» (22 سنة) وهي فلسطينية مسيحية من حيفا، خارج منزلها أثناء عودتها من العمل. رأت سما نحو ثلاثين يهوديا يلوحون بأعلام اسرائيل، مصحوبين برجال شرطة. حين سمعوها تتحدث العربية نعتها اليهود بألفاظ بذيئة ورموها بالأحجار وكسروا زجاج سيارتها؛ وأصيبت أختها (التي خرجت من المنزل) بحجر جرح ساقها. تقول سما: «ركضتُ الى أحد رجال الشرطة طالبة العون؛ فنظر الي وقال- إغربي عن وجهي». أبلغت سما والدها الذي إتصل بالشرطة، وكرر الاتصال بعد نصف ساعة؛ ولم تحضر الشرطة.. أمضت الفتاتان نحو سبع ساعات في المستشفى، وما زال تحقيق الشرطة مستمرا دون كشف متهمين. ويعلق «جعفر فرح» مدير مركز «مساواة» للدفاع عن المواطنين العرب بأن 35 يهوديا، تم اتهامهم في جميع أنحاء البلاد لدورهم في العنف.. «مقابل 450 عربيا».
خلال فترة حرب غزة الأخيرة، تعرض مطعم «يوري جيريمياس» للحرق وسط فوضى أعمال الشغب المتفاوتة منذ عقود بين المجتمعات العربية واليهودية؛ حيث يقع المطعم في القلب العربي لمدينة عكا الساحلية. يقول جيريمياس (76 سنة): «كان عدد العرب الذين أسرعوا لمساعدتي بإطفاء النيران أكثر من أولئك الذين أحرقوا المطعم..». ويحاول جيريمياس التخفيف بين سكان الطرفين، مستغلا الموقع السياحي لمطعمه قرب الجدران العثمانية للمدينة القديمة، وطلب من موظفيه (62 فردا غالبيتهم من العرب) بالعودة الى العمل؛ لمصلحة المطعم.. وهذا لن يكون سهلا؛ فإن خلط أشخاص مختلفين أصعب من خلط النكهات.
غضب فلسطيني
مزقت أعمال الاشتباكات الشعبية الأخيرة؛ التي سببتها تدخلات الشرطة الاسرائيلية الاستفزازية في المسجد الأقصى واندلاع الحرب، التي استمرت 11 يوماً بين إسرائيل وحماس؛ الطبقة الرقيقة من التماس بين الطرفين؛ لتفضح الاستياء الشديد للفلسطينيين من اليهود المستفزين. ففي المدن السبع المختلطة رسميا تركت أعمال العنف أثرا من الدمار. فقد هتف اليهود «الموت للعرب» فأحرق هؤلاء متاجرهم. وقتل عربيان ويهوديان، وجرى اعتقال المئات من العرب. في عكا؛ التي شهدت تاريخا صليبيا وعثمانيا وعربيا ويهوديا حافلا باختلاط قلق؛ كانت شرارة واحدة تكفي لتكشف أن أغلب فلسطينيي المدينة (وهم نحو ثلاثين بالمئة من السكان البالغ عددهم نحو 56 ألفا) يعدون مشاريع المطاعم وأشباهها نقاط إقصاء وقمع زاحف أكثر من كونه فرص عمل.
بينما يرزح نحو ثلاثة ملايين فلسطيني غاضبين خلف طوق الاحتلال العسكري الاسرائيلي في الضفة الغربية، تزداد مطالبة نحو مليوني فلسطيني آخرين داخل الخط الأخضر (اسرائيل) برفع الغبن عنهم وحقوق العيش المتساوية، كونهم مواطنين يحملون جنسية اسرائيلية. وتطرح التوترات في المدن المختلطة والشعور بعدم المساواة الكامن وراءها، السؤال عما إذا كان يمكن لإسرائيل أن تكون دولة يهودية وديمقراطية معا؛ فالديمقراطية تتطلب مساواة كاملة تحت القانون للسكان الفلسطينيين، الذين تبلغ نسبتهم نحو 21 %. لقد تركت أعمال العنف الأخيرة الكثير من اليهود يعيشون صدمة مصير التعايش مع العرب. فيقول «تساحي هنغبي» وزير شؤون المجتمع الإسرائيلي: «جاءت الأحداث الأخيرة بمثابة صدمة لنا». أما الفلسطينيون، الذين يعيشون الإحساس بالاقصاء المتزايد؛ فقد كانت أعمال العنف الصادرة عنهم انفجارا لا مفر منه. وعبرت «عايدة طعمة سليمان»، العضوة العربية في البرلمان عن عكا، قائلة: «انفجر البركان الخامد». 
معايير مزدوجة
تسبب قانون «الدولة القومية»، الذي صدر في العام 2018 بمزيد من الإقصاء للفلسطينيين الموجودين ضمن الخط الأخضر، فقد فرض عليهم القانون تراجعا في مكانتهم وعناصرهم الثقافية مثل لغتهم؛ حيث ينصّ القانون على أن تقرير المصير هو «حق حصري للشعب اليهودي». وبهذا أصبح الفلسطينيون مواطنين من الدرجة الثانية لا حق لهم بتقرير المصير ضمن دستور دولة إسرائيل، كما ينصّ القانون ذلك بلغة صريحة عدم الاعتبار بما كان الفلسطينيون يعيشونه منذ عقود؛ من حيث تشريعات الأرض والتعليم ونواحٍ حياتية أخرى. يقول «أشرف عامر»، اخصائي اجتماعي وناشط فلسطيني في عكا: «نحن (أناس) من الدرجة الثانية؛ هذا إذا رآنا اليهود على الإطلاق». وبينما مضت اسرائيل قدما، تحت حكم رئيس الوزراء السابق نتنياهو، لمزيد من التكريس لإتجاه القومية اليهودية الأكثر حدة؛ تعرض الفلسطينيون لضربات في اتجاهات عديدة.. وفي مجتمع هجين دائماً؛ إسرائيليون بالمواطنة، فلسطينيون بالتراث، مسلمون أو مسيحيون أو درزيون بالدين، ثنائيو اللغة (العربية والعبرية)، يُنظر اليهم بعين الشك من بعض فلسطينيي الشتات، ومثقلون بصدمة طرد أقرانهم من ديارهم من قبل حكام الأرض الجدد؛ طور الفلسطينيون إحساسا أكثر وضوحا بالهوية الفلسطينية، حتى أثناء تنامي مطالبهم بحقوقهم الكاملة كمواطنين ضمن دولة إسرائيل.
ظهرت الأعلام الفلسطينية مرارا أثناء مصادمات أيار الماضي داخل المدن المختلطة؛ بعدما ندر ظهورها داخل اسرائيل، وحدث اضراب عام شمل فلسطينيي الضفة الغربية وغزة واسرائيل؛ وهو أول احتجاج فلسطيني مشترك من هذا القبيل في إسرائيل والأراضي المحتلة منذ عقود. بات الأشخاص الذين طالما أشار لهم الاسرائيليون منذ زمن بتسمية «عرب اسرائيل»، أو- التسمية العامية المُهينة «القطاع العربي»؛ يعرّفون أنفسهم الآن بأنهم «فلسطينيون»؛ فعاد لهم الشعور بقوة هويتهم، وهو مصطلح يستاء منه يهود اسرائيل بوصفه رفضا لدولة إسرائيل. بالنسبة للعرب الذين بقوا في فلسطين بعد النكبة سنة 1948، تحول المسعى المتهيب للاندماج ضمن دولة يهودية جديدة إلى تحدٍ مباشر لهذه الدولة أن تتغير يوما ما. يقول «أحمد طيبي» وهو نائب عربي ضمن الكنيست (البرلمان): «تدعو اسرائيل نفسها دولة يهودية وديمقراطية؛ وهي في الحقيقة دولة ديمقراطية لليهود ودولة يهودية للعرب. إنه لمعيار مزدوج». 
 
تكريس الدولة اليهودية
يقول «أشرف عامر»: «النكبة لم تنتهِ؛ إنها مستمرة؛ تراها في حي الشيخ جرّاح (الذي يواجه سكانه العرب محنة الإخلاء القسري لصالح المستوطنين اليهود)، وتراها في المشكلات الاقتصادية والوظائف والإهمال وعدم الحصول على القروض، مما يؤدي لطرد الفلسطينيين». يمثل عدم الاستقرار حالة دائمة للفلسطينيين في إسرائيل، والشعور بأن منازلهم يمكن أن تؤخذ على الدوام. وما عدا سبعة مدن للبدو أقيمت في صحراء النقب لم تُنشأ أي مدينة أو قرية عربية جديدة منذ سنة 1948. لا يزال التعليم منفصلاً بشكل معقد؛ فالعرب يرتادون غالبا مدارس عربية واليهود مدارس يهودية. تمثل البلديات العربية أقل من ثلاثة بالمئة من أراضي اسرائيل يسكنها مليونا فلسطيني تقريبا، ولا يمكنها التمدد بسبب تشريعات الأرض التي تحركهم من التوسع في المساحة البلدية، وباتت تطوقها أكثر من 900 قرية ومدينة يهودية جديدة. كما إن منع أية إمكانية للعرب للوصول الى أراضٍ جديدة قاد العرب لبناء مساكن مزرية دون ترخيص؛ في مدن مختلطة مثل الناصرة، وتراكمت الطوابق فوق بعضها، يرتفع منها حديد التسليح نحو السماء. ومثل تلك المباني غالبا ما تكون عرضة لعقوبات السلطات الإسرائيلية بالغرامات وأوامر الهدم؛ وهو مصدر آخر للغضب الفلسطيني الذي فاض في أيار. 
تتباين الحقوق على المستوى الأساسي؛ فيمكن لأي يهودي أن يصبح أوتوماتيكيا مواطنا اسرائيليا بالجنسية؛ لذا هناك عدم تكافؤ في الحصول على الجنسية. كما تقوم السلطات البلدية بمنح التأييد للمطالبات اليهودية بالأراضي بشكل عام من دون النظر في ماهية الأرض المطلوبة ومصدرها؛ مهما كان أصلها غامضا في العهد العثماني أو ما قبله، في حين أن هذه الطلبات تُرفض إذا كان صاحبها فلسطينيا. وشرعت السلطات تشريعا سريعا جرى فيه عدّ الفلسطينيين الذين فروا بسبب حرب سنة 1948 «غائبين» قانونيا، ولا حق لهم بالمطالبة بالأراضي التي كانوا يسكنونها، ويقول المحامي الفلسطيني «كميل عودة»: «بعد العام 1948 قال الاسرائيليون لنا- لا يهم السبب الذي دفعكم لمغادرة الأرض؛ إنها لنا الآن». تقول سما: «ربما لأنني أعيش وسط عمق عربي في حيفا لا أنتبه كثيرا للإشارة إلينا كمواطنين من الدرجة الثانية، فكثيرا ما سمعت بالاشارة إلينا بذلك؛ لكنني لم أشعر بذلك حتى الآن؛ ربما لأني أعيش وسط البلد في حيفا، لكنني الآن أعلم بأنني لن أُعامل أبدا مثل أي فتاة يهودية في هذا البلد؛ فلو وقع لها ما وقع لي فستتم حمايتها، وأنا أعرف الآن يقيناً أنه لن تتم حمايتي أبداً». لكن التوتر بين الديمقراطية وكون إسرائيل دولة يهودية تمنح الأولوية لليهود كما نصّ قانون الدولة القومية، لا يزال يمثل 
مشكلا؛ كما قال النائب «الطيبي»: «إذا كنت ديمقراطيا، فهذا يعني معاملة متساوية، وإذا كنت يهوديا فأنك تقول لــ«موشيه» إنه أفضل من «حميد»!.