المرجعيَّة الدينيَّة والآليات الديمقراطيَّة

الثلاثاء 14 أيلول 2021 349

المرجعيَّة الدينيَّة والآليات الديمقراطيَّة
 د. عدنان صبيح
كان دور المرجعية أوضح صورة على مدار السنوات السابقة، فهي بين الدعم والتوجيه والتصحيح، مرافقة الانتخابات، مبينة أن لا بديل عنها في إدارة البلد وحكم الشعب لأنفسهم، مذكرة بأن السبيل للتغير من خلالها، ممتنعة عن طرح بدائل أخرى دائماً ما تكون البيانات المرجعيَّة مقترنة بأهداف تنظيميَّة يستطيع بعض الباحثين ملاحقتها، فالتأكيد على المشاركة بصورة مستمرة، هو لتنميط السلوك الانتخابي بعد خروج العراق من مرحلة (ما قبل 2003)
 
جاءت مرحلة 2003 وكان الأمل معها بموعدٍ جديدٍ مع الديمقراطية، أملٌ بولادة حقبة متمثلة بإرادة الناس، وقدرتهم على إدارة شؤونهم، بعد أن كان ذلك من الصعاب الكبيرة، التي يصعب تخيلها حتى عند المتفائلين، كانت تلك اللحظة التاريخيَّة بما امتزجت من عواطف ومحفزات وظروف اجتماعية مختلفة، سواء كانت باشتداد عود الإرهاب، او الإدارة السيئة من القوات الأجنبية، إلا أنَّ الكثير من العراقيين كانوا ينظرون بعين الغد الكفيل بإزالة المنغصات من خلال انتخابات يشارك فيها الجميع ويصنعون وجودهم بإرادتهم، وان خالطته بعض الأفكار المتسائلة عن إمكانية أن تكون هناك ديمقراطية حقيقية في بلد رزح تحت حكم واحد لسنوات طويلة، الا أن ذلك التخوف قد تبدد من خلال التيقن بأن وجود التراكم السلوكي في الممارسة الديمقراطية يساعد في التدرج نحو السلوك الأنسب الذي يتوافق مع العملية الديمقراطية.
 
آلية مهمة للتحول
ولا يمكن اغفال الدور الذي قامت به المرجعية الدينية والقوى السياسية والاعلام العراقي في الدفع باتجاه المشاركة في العملية الانتخابية وتثبيتها على أنها آلية مهمة للتحول.
قد تكون الانتخابات واحدة من الآليات التي تساعد في تشكيل ذلك النظام الجديد المشتمل على حرية الرأي والتنافس والتداول السلمي للسلطة والمشاركة، وهو رأي للفئة الاكثر تفاؤلا، التي تعتقد بأن الانتخابات واحدة من أدوات التغيير الذي لم تقتصر على بداية حياة سياسية واجتماعية جديدة، بل لتجاوز المشكلات التي انتجت حديثا بعد اسقاط نظام ما قبل 2003 ومنها الوجود الأجنبي، وعدم وجود خطط كفيلة بالتحول، فضلا عن بروز مشكلة الإرهابالذي تنامى بمشاركة مسؤولين من النظام السابق في تشكيلاته، بعد أن إنهارت المؤسسات الأمنية والمخابراتية، فاتجه اكثر أعضائه تطرفا بالمال والعتاد والأفراد الى الانضمام لتشكيلات تواجه التغيير.
واتجهت القوى السياسية المؤمنة بالعملية والداعمة لها الى الحوار مع الأطراف الأقل تفاؤلا أو الأكثر تخوفاً بالمرحلة الجديدة، من خلال الحوار لتكون جزءا ومشاركا حقيقيا وان كانت في مرحلة مقبلة.
بينما كان دور المرجعية أوضح صورة على مدار السنوات السابقة، فهي بين الدعم والتوجيه والتصحيح، مرافقة الانتخابات، مبينة أن لا بديل عنها في إدارة البلد وحكم الشعب لأنفسهم، مذكرة بأن السبيل للتغير من خلالها، ممتنعة عن طرح بدائل أخرى. ما يعني تعزيز لتلك العملية واختيارها، لتكون الأنسب في إدارة البلد، ودائما ما تستدرك (على أن تتحقق شروطها).
 
الدستور ومشاركة الجمهور
انصب دعم المرجعية للعملية الديمقراطية على تثبيت ركائزها من خلال اركانها الرئيسة، وهي الدستور ومشاركة الجمهور، بل ليكون السلوك الديمقراطي نمطا عندهم مرددة بصورة متكررة بان دورها يقتصر على النصح والإرشاد.
طالبت المرجعية بإجراء انتخابات أولى يتكفل من خلالها المنتخبون بكتابة دستور متوائم مع المرحلة الجديدة لتثبيتها، ولم تكتف بذلك بل على أن يعاد التصويت على الدستور في استفتاء شعبي، ليكون الناس جزءا مشاركين بصورة حقيقية في النظام الجديد.
جعل من المرجعية بابا للسائلين عن العملية الانتخابية، اذ يعود المقلدون ويسألون، سؤالاً يحتاجون الى اجابة عنه بصورة متكررة، يعاد بمجرد حصول حادث سياسي، او احباط اجتماعي، او نتيجة وضع سياسي. والسؤال هو (ما هو رأي سماحتكم بالعملية السياسية الحالية؟ هذا السؤال طالما يوجه الى المرجع الشيعي السيد السيستاني، بوصفه مرجعا أعلى للشيعة، سواء كان السؤال بأسلوب المشافهة، او المكاتبة، سرية وعلانية، يسألها البعض، ويراقبها الكثير، يقبلها البعض كما هي، ويبحث عن سياقها البعض الآخر.
تُسأل المرجعية في انتخابات2018--- 17 شعبان 1439هـ الموافق 4/ 5/ 2018م
كما تُسأل دائماً عن موقفها منها، فتجيب، بل انه لا بديل عنها في حكم البلد، وان القيم الاصيلة والمصالح العليا ومستقبل مليء بالحرية والكرامة، يتم عبر صناديق الاقتراع بشرط نزاهتها، وحريتها.
ولا تنسى أن تذكرهم بانها طالبت سلطة الاحتلال والامم المتحدة، بان تكون هناك انتخابات حرة، ليكون هناك ممثلون حقيقيون يكتبون الدستور الدائم ويعينون اعضاء الحكومة العراقية.
لتستدرك انه بعد خمسة عشر عاماً، ولا تزال المرجعية بذات الرأي لخيار الانتخابات كونه يشكل، (من حيث المبدأ) خيارا صحيحا ومناسبا لحاضر البلد ومستقبله.
مبينة ان ذلك المسار لا يؤدي النتائج المرجوة دون شروط، منها (قانون انتخابات عادل، التنافس يكون على البرامج لا على اساس الشخصنة والشحن القومي والطائفي والمزايدات الاعلامية، يمنع التدخل الخارجي، وعيّ الناخبين لقيمة اصواتهم، عدم منح الاصوات لغير المؤهلين لقاء ثمن بخس او نتيجة عاطفة او اهواء لنزعة قبلية ونحوها).
 
الموقف من الآليات الديمقراطيَّة
نقف عند السؤال المكرر، فقد سُئل مرات عدة للمرجعية الدينية، وفي كل مرحلة انتخابية، وفي كل مرة كان واضحاً موقف المرجعية في أنها مع الآليات الديمقراطية، وعبارة (الآليات الديمقراطية) وهي دائما ما تورد في خطاب المرجعية سواء المكتوب منها او المنقول. فلو قمنا باستدعاء كلام المرجعية في العام (2004) وسؤال الجمهور عن إمكانيَّة تأجيل الانتخابات المقررة (2005)، فقد أشارت إلى ضرورة إجرائها بأسرع وقت، مؤكدة على حث المواطنين للمشاركة فيها، وصنع مستقبلهم عبر آليات ديمقراطية.
ولو تابعنا خطاب المرجعيَّة منذ (2003) والى الآن فإنَّها تذكر الآليات الديمقراطيَّة، في سياق الانتخابات، أكثر من ذكرها للديمقراطية نفسها. ولم يلحظ أن خالفت المرجعية جوابا سابقا، وبهذا الشأن لم يحصل إن أفتت او أشارت ولا حتى ألمحت الى موقف معارض للانتخابات. وبذلك فأن السؤال معروف اجابته مسبقا. ورافقت ذلك اسئلة كثيرة للمرجعية عن دعهما لجهة معينة في الانتخابات، وهي تجيب دائما عن موقفها على مسافة واحدة من جميع المرشحين، كلمة أطلقتها في (2009) في انتخابات مجالس المحافظات، واستمرت تلك العبارة تطلقها المرجعية في كل مرة، بل هي لا تتوانى في تكرارها، فقد قالتها في (2009، 2010، 2013، 2014، 2018).
اما من ناحية أن المقلدين يسألون في كل مرة والمرجعية تبقيهم في سؤال دائم عن قصد، ولا تؤكد إجابة حتمية من ناحية الشروط، فلكل مرحلة شروطها وإن كانت العملية الانتخابية واحدة، بل وان كانت داعمة في جميعها، والدليل في ذلك انها تجيب في كل مرة، مضيفة لها شروطا جديدة تتناسب مع المرحلة. فأكملت (بيانها 2018) بقولها إن ذلك المسار لا يؤدي النتائج المرجوة من دون شروط وهي (قانون انتخابات عادل، ألا يكون التنافس على اساس الشخصنة والتعسف القومي والطائفي، يمنع التدخل الخارجي، وعي الناخبين لقيمة اصواتهم، عدم منح الاصوات لغير المؤهلين)، وتلك الشروط تتغير من مرحلة لأخرى. لتطرح اخرى جديدة للتعامل مع الانتخابات.
وينطبق ذلك على موقف المرجعية من المشاركة بالانتخابات بالنسبة للجمهور، فقد كان هناك دفع من المرجعية للمشاركة فيها، وهناك ما يشبه الالزام، وتكرر ذلك الدعم في انتخابات 2005، و2006، و2010، و2014 وكانت احيانا بمثابة الفتوى بإلزام المشاركة الواسعة بالانتخابات، الا أنها خففت ذلك في 2018 ليكون للجمهور رأي، بعد أن مارسوا العملية الانتخابية أكثر من مرة. تلك التغيرات هي من تدفع المقلدين بصورة مستمرة للسؤال، لأن المرجعية تشعرهم دائما بأن هناك سياقات مختلفة تفرز رؤى جديدة. وبهذا السياق فان المقلدين بحاجة دائمة للسؤال عن الآليات وكيفية التعامل معها بإرشاد المرجعية وبيان إذا ما كانت هناك شروط اضافية.
 
تجاوز الاختناق
اما ما يخص الانتخابات المبكرة، التي ستقام في شهر تشرين الاول المقبل، فإنَّ المرجعية أول من نبه عليها بإشارتها في خطبة الجمعة (15/ 11/ 2019)، اذ كانت الخطبة مشتملة على خطوط للسير لتجاوز الاختناق الحاصل بقولها (بتصرف من الكاتب) ان الشعب مصدر السلطات بالاقتراع، والشرعية فيها للشعب مهما استطاع، بشرطها وشروطها، بانتخابات نزيهة، أحد شروطها قانونها، نطالب بإقراره منصفا للناس، يعيد الثقة إليهم، غير متحيز للأحزاب والتيارات السياسية، بل أن يكون القانون ضامنا، وغير ذلك لا قبول فيه. وكذلك قانون المفوضية يجب ان يكون حافظا للحياد والمهنية والمصداقية يترجم بالقبول الشعبي.
وبذلك فإن للمرجعية الدينية اليد في الحفاظ على هذا المكسب الكبير المتمثل بالانتخابات، والتي بقيت مراقبة لأدائه بصورة مستمرة خشية الانحراف نحو المصالح الخاصة. مؤكدة بصورة دائمة على أحقية الشعب في اختيار ممثليه بطريقة مهنية وقانون منصف للجميع، خالٍ من التدخلات الخارجية.
 
أهداف تنظيميَّة
ولا يمكن عدّ تلك التوجيهات تدخلاً سلبياً بحجة أنها تؤثر في الخيارات الشخصية، فطالما كانت القيم الدينية هي المساهمة في توليد النظام كما يقول (ماكس فيبر).
ودائماً ما تكون البيانات المرجعيَّة مقترنة بأهداف تنظيميَّة يستطيع بعض الباحثين ملاحقتها، فالتأكيد على المشاركة بصورة مستمرة، هو لتنميط السلوك الانتخابي بعد خروج العراق من مرحلة (ما قبل 2003)، ولم يكن المواطن العراقي على دراية كاملة بأهمية المشاركة، فعملت المرجعية على إرشاده حتى جاء عام 2018 تحول الارشاد الى ترك الخيار له، ثم تعود وتؤكد القوانين الضامنة، فهي تواجه الانحرافات القانونية من جهة، وتعمل على نصح الناس بأهمية المشاركة الواسعة من جهة أخرى. وهذا كان جزءاً من دور المرجعية في عملية الانتخابات، ليكون لنا رأيٌ متعلق بالجهات الأخرى في أعداد مقبلة.