مدخل لقراءة ثقافة الحلم في (عصاي خرساء.. ودليلي أعمى)

الأربعاء 15 أيلول 2021 165

مدخل لقراءة ثقافة الحلم  في (عصاي خرساء.. ودليلي أعمى)
 د. أحمد جاسم الخيّال
عوالم الشعراء متداخلة وكثيفة، وهي كالمدن العتيقة تحتفظ بأسرارها ومن الصعب فك رموزها ووصف مرجعيّاتها الثقافية المتنوعة، وعالم الشاعر الكواز الشعري مختلف ومتشعب ومتعب في تتبّع إرهاصاته الغيبيّة، لأنه ببساطة عالم خفي مسكون بالحلم وبلغة شفافة غير قابلة للتفسير بسهولة، لقد أنهى الكواز عمره يبحث عن كلمة، عن غواية المعنى غير القابل للرصد، مؤثثاً كل ذلك برؤية لا مرئية تقوده إلى حيث يرى كل شيء خارج بصيرة اللغة ليدون (معنى) الغياب نكاية بالحضور السيسيولوجي للوجود.
 الشعر هو الوجود الآخر للشاعر، واستطاع الكوّاز من خلال بحثه طيلة رحلته من الواقع إلى الشعر أن يخلق فضاءه الخاص، وكان الحلم هو المادة المثالية التي منها بنى هذا الوجود الموازي ليعيش مترفاً بالحسّ والغرابة والجنون، والأهم أنه لم يتوقّف يوما ما عند حدود معينة، إنما ما زال دائم البحث حاملاً على كتفه أغاني الراعي وفي جيبه ناي الغواية وليس معه سوى ظلّه وهو يحوك البرق والغيم والسعادة والأسمال في فراغ الأحلام المؤثثة بالفراغ.
    لقد أيقن الكوّاز أنه سيبقى رهين البحث عن كلمته المفقودة، فأجمع كلّ قوى عقله وقلبه ليشدّ الرحال لها في أطول رحلة نفسية لشاعر معاصر، رحلة لا تنفد دلالاتها لأنها تقمّصت كل شيء فيه، يقول: 
((أبحث عن كلمة
لم أجدها وسط حروف الفوضى
وحروب العشّاق
إلا بنصٍّ غائبٍ بين الأسطر)) 
   هذا التماهي الشديد بين الشاعر وبين اللغة هو البؤرة المؤثِّرة في صياغة واقعية الحلم في قصائده، وتعزّز هذه الرؤية لدراسة ثقافة الحلم عند الشاعر والبحث عنها تحت نصوصه لبيان مرجعياتها الثقافية التي أسّست لهذا الوجود الشعري الفريد، ففي النهاية ((لا وجود لحلم دون واقع ينطلق منه ويحاول تجاوزه والتخلّص منه)) .
 
مدخل الأسئلة
 الاسئلة محور مهم من محاور أي تجربة شعرية، وهي تختلف باختلاف الشعراء ورغبتهم بالمعرفة الغائبة، لذلك حين يتعب الشاعر من الصراخ في وجه الوجود ترتدّ عليه أسئلته لينكفئ عليها فتصبح جزءاً من عالمه الخاص ونبعاً من رؤاه الشعرية، ثمّ تصبح ثقافة ثابتة وأداة تعبيرية لا يريد الشاعر من خلالها جواباً، إنما يتحدّث من خلالها عن افتراضاتها لعالم يتمنّى أن يعيشه.
وكانت أسئلة الكوّاز الشعرية تعبيراً عن حلُمه ونفوذاً إلى عالمه المثالي وسرّاً من أسرار شعريته العالية، يقول: 
(ما زلتُ أبحث عن خيط رمالٍ في بئر أسئلتي
أسئلتي صامتة
لا أحد يشير إليها بالكلام
وهي تتمرّى بأفول الآخرين
وبوهم جمالها
حين يزدحم الذباب على شفاه العسل
كيف أمسك صمتي
وهو لا يمت بصلة إلى همس الأجراس؟
أجراس كنيسة مسبيّة
أم أجراس قلب أوشك أن تخذله الحبال؟!
الحبال التي أولمتها الفئران
الفئران التي تطارد قططنا في العلن
العلن الذي دحره سراب القطا في الحقول
الحقول التي أمحلت
الصمت قفل ضفافها
وضفافها خرس في ضجّة الرمال
من لي بصمتٍ لا يُشابه الفجر؟!
ومن لي بفجر تفتّق ضوؤه بتثاؤب عمال المساطر؟!) 
أسئلة الشاعر لا نهاية لها، كأنها بئر ممتلئة بالماء تروي عطشه في صياغة دهشته إزاء العالم، فبئر الأسئلة ممتلئ لا خيط رمال يُرى في قعره، لكنها أسئلة صامتة إذ لا إجابة لها، قوّة الصمت تأخذه إلى الأفول بعيداً عن فجر يزهر فيه حلُم الانسان، لكنّه صمت صاخب لا يستطيع الإمساك به وسط فوضى تبدّل القيم.
يحاول الكوّاز أن يثير الشكوك برتابة الحياة قدر ما يستطيع من خلال أسئلته الحالمة بوعي يستطيع احتواء لغة الوجود وثوابتها المتغيّرة. 
أضحت الأسئلة عكّاز الشاعر ومرجعيّة مهمّة من مرجعيات قصائده وحلمه، وأصبحت رؤية يرسم بألوانها عالمه الخاص بعيداً الحقول الموحلة.
   يستمر بحث الشاعر عن وجوده المفقود في الآخر، ليثير السؤال الذي يتكرّر في أغلب النصوص، وهو جوهر رؤاه الحالمة بمعرفة كنهه، ليقول بمرارة: (فمن أنا إذن)، هذه الغربة التي تحيط بالشاعر تجعله يعيش داخل دائرة الشك ليلجأ إلى أسئلته محاولاً من خلالها أن يكشف الغموض الذي يغطّي الحياة، يقول:
(ولستُ أنا
أيضًا
من علّمته الأسئلةُ
كم مرّ من وَهَمٍ عليه؟!
وهو يحسب قطارات الموتى
حين ترسل
الألقاب والكنى
إلى تاريخنا المبلّل بالنحيب
فمن أنا إذن؟!) 
  يتماهى الكوّاز مع أسئلته، ليبدو كلّ ما مرّ به وهماً، فالحياة تأخذ كلّ شيء ليصبح تاريخاً من مآسٍ لا تنتهي، لا ألقاب ولا كنى قادرة على البقاء، والشاعر الرائي يتأمّل ببصيرته هذا الغياب الذي لا مفرّ منه، ليثير سؤالاً وجودياً لم تستطع فراسة الشعر الإجابة عنه، إنه يبحث عن نفسه وسط هذا التحوّل المستمر، ليصرخ بصمت ووجع وخوف من نفاد الأيام بهذه السرعة التي لا تشير إلى شيء، ليعترف اخيراً أنّه ليس هو، يقول:
(ولستُ أنا
كلّ هذا الذي مضى
وما سيكون
فمن أنا
إذن؟!) 
الحلُم عند الشاعر مشروع وجود، وثقافة أمينة تمنحه القدرة على الاستمرار في الحياة، لذا هو يبحث داخل روحه عن أجوبة، أو عنها، يترك فلسفة الرغبة لتشكّلها على هيئة حلُم، ليستمرّ في إيقاد أسئلته الحائرة أمام هذا العالم، يقول:
(وحين أرنو إلى موقد روحي
أسأل اللهب
أسأل الأمس
أسأل الفراغ
أسأل الأوراق البيض
أسأل الأغاني المنسيّة
أسأل الرياح
أسأل الكتب الصفر
أسأل الظلام
أسأل النقاط في الحروف
أسأل حروف العلّة
أسأل القلم
أسأل القرطاس
أسأل الطرس
أسأل السيف
أسأل الرقبة
أسأل العربة
أسأل الحصان
وأسأل العتبة
أأنت هي؟!
لم يكن ثمّة (هي)
بل
هي التي لن تشرق إلا
في مروح الأحلام
دلّني 
على
رجلٍ
رجلٍ بلا أحلام
لأسأله:
أين هي؟).  
يأخذنا الشاعر بإصرار إلى تهويماته البعيدة لنمارس معه البحث عنها، الأسئلة لا تكفي لتجيب، ولا الوعي بأنها غير موجودة، إنها حلم داخل اللغة يفيض مثل نهر يسقي ترقّبنا، لكن لا أحد يعلم ولا حتى الشاعر متى يأتي الذي بلا أحلام ليدلّنا علينا.
 
 
***
 1 - عصاي خرساء...ودليلي أعمى، نصوص جبار الكواز: 57.
 2 - دلالة المدينة في الخطاب الشعري العربي المعاصر، قادة عقاق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001: 60.
3 - عصاي خرساء ... ودليلي أعمى: 28.
4 - عصاي خرساء...ودليلي أعمى:85.
5 - المصدر نفسه: 87.
6 - عصاي خرساء...ودليلي أعمى: 14 - 15.