الخيار الديمقراطي وبناء الدولة

الأربعاء 15 أيلول 2021 212

الخيار الديمقراطي  وبناء الدولة
علي حسن الفواز
لا خيار سوى الديمقراطية، ولا حلول لمشكلات ادارة السياسة والثروة والأمن  سوى مأسسة تلك الديمقراطية، وجعلها نظاما للحياة والاجتماع والتواصل والحوار. هذا ليس شعارا، وليس ترويجا، ولا تسويقا لمفهوم قد يتفق عليه البعض او يختلف، بقدر ما هو تعبير عن وعي بأهمية الحاجات الكبرى، وبضرورة مقاربة تاريخ الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تاريخنا الحديث، والذي ارتبط بخشونة السلطة ورعبها، وبنمط الحاكميات المستبدة.
هذه المقاربة هي ما يجعل حديث الديمقراطية مهما وحقيقيا، إذ لا بدائل لها سوى الاستبداد، وسوى الذهاب الى صناعة الحروب الكبيرة والصغيرة، وأحسب أن الذاكرة السياسية العراقية تختزن صورا بشعة عن ذلك الاستبداد، وعن عبثية ماعاشه العراقيون من تلك الحروب، ومن الطغيان والقهر الاجتماعي والسياسي، ومن سطوة الحكومات العسكرية والانقلابية والعصابية المهيمنة في مركزيتها وعنفها.
الوعي بخيار الديمقراطية مسؤولية، لأنه يعني العمل على الانخراط الحقيقي في بنية مؤسساتها، والقبول بمعطياتها، لاسيما مايخص المشاركة في الانتخابات، والقبول بالآخر، وفي التداول السلمي للسلطة، وفي ايجاد المنصات التفاعلية للحوار والنقد، وفي التعاطي العقلاني مع مفاهيم الدولة والحرية والعدالة الاجتماعية والحقوق، وبشكل خاص حق الانتخاب والتظاهر والعمل وغيرها.
الحديث عن الديمقراطية لا يعني – من جانب آخر- الحديث عن واقع رومانسي، ولا عن خيارات سهلة وبسيطة، ولا عن اجراءات خاضعة لحساسيات وحسابات معينة، بقدر ما يعني الأمر الشروع بمسؤوليات أكبر، تبدأ من ايجاد البيئة الديمقراطية، وحيازة شروط العمل الجاد على صياغة العقد السياسي والاجتماعي فيها، والى تحقيق ماهو فاعل وعميق لتأطير سياق تلك البيئة، كمقدمة للنهوض ببناء مشروع الدولة الجديدة، وفي تحويل الوعي الديمقراطي الى قيمة ثقافية والى وعي مجتمعي يدفع نحو الشراكة والتعاون، ونحو نبذ كل مظاهر العنف والكراهية والارهاب والتكفير لأنها اقنعة للاستبداد والقهر، فضلا عن رفض كل مظاهر الفساد والرثاثة السياسية والاجتماعية، وباتجاه يهدف الى جعل الخيار الديمقراطي، تمثيلا للقوة الاخلاقية والنقدية، لأنه سيكون الاقوى تأثيرا والأكثر جدوى، والأكثر قبولا لتعظيم فكرة الدولة ولحماية التنوع والتعدد والأمن المجتمعي والسلم الأهلي فيها، على مستوى تنسيق الاجراءات العملية لبناء مؤسسات "الدولة المسؤولة" في سياقاتها الحاكمة، وعلى مستوى توصيفها القانوني، وكذلك على مستوى ترصين هيكلها ونظامها وآليات عملها وبناها التحتية، وعناصرها الداعمة في مجالات الامن والاقتصاد والخدمات والتعليم 
والصحة وغيرها.