شرق وغرب.. أطروحة التلاقي

الخميس 16 أيلول 2021 188

شرق وغرب.. أطروحة التلاقي
  ا.د عامر حسن فياض 
مقدما أقول إن الحديث عن التقاطع وعدم التلاقي بين الوطني والاممي هو حكم مسبق وكذلك الحديث عن التلاقي وعدم التقاطع هو حكم مسبق. بيد ان التلاقي حكم مسبق ايجابي والتقاطع هو حكم مسبق سلبي.
إن هذه المقالة وفي عنوانها تعبر عن حكم مسبق ايجابي، لأنها تخص التلاقي وترغب الوصول الى التلاقي لا التقاطع بين الفكر الوطني والفكر الاممي.
 
والفكر الوطني كما الاممي نتاجات اعلام او مدارس عبر اجتهادات وتفسيرات في عناوين واطارح فكرية (مثل التحرر والاستقلال والديمقراطية والاشتراكية ... الخ) وتلك العناوين الفكرية السياسية صنعت في ارحام واستنبتت في ارحام وهنا تمت مناصرتها وتبنيها او ربما تمت مناهضتها وطرح بدائل 
عنها. 
وفي المقبولية لها تم التلاقي بين الوطني والاممي. وفي عدم المقبولية لها تم التقاطع ما بين الوطني والاممي. وهكذا كان وسيظل التلاقي او عدمه مسألة سجال طالما ان الافكار السياسية لبعضها مناصرون ولبعضها الاخر مناهضون فلمن كانت او اصبحت الغلبة؟ 
الغلبة لم تكن أحادية مستدامة مطلقة لا للنابت ولا للمستنبت في الافكار الوافدة، بل كانت تدخل في دروب السجال، فمرة تكون الكفة لصالح الاممي الوافد ومرة لصالح الوطني الموروث.
في الغالب (وهذا ما يؤكده الواقع) ان الموروث يصبح منقادا لا قائدا عندما يكيف الشورى مثلا بالديمقراطية، وعندما يكيف العدالة الاجتماعية بالاشتراكية هذا على سبيل المثال لا الحصر.
لا نريد أن نكون من هؤلاء الذين يفكرون بالسياسة بانسانية، فوصفهم نابليون بونابرت (بهؤلاء الذين ينشرون الغبار ويشتكون عدم الرؤية) التلاقي او عدم التلاقي بين الوطني والاممي ينبغي ان يتبسط ولا يتعقد عند الحديث عنه.
لا توجد في الفكر السياسي أطروحة او فكرة وطنية واخرى اممية لا من حيث الصناعة ولا من حيث الاستخدام (التوظيف بريء او غير بريء) كذلك لا توجد افكار من حيث التطور. انما الافكار توجد لكي تغلف المصالح والذي يتقاطع او يتلافى هي المصالح.
وهنالك وعلى هذا التفسير بالتأكيد سيكون اعتراض وأنا أتفهمه تماما. ولكن لدي اجابة على الاعتراض إن حصل ومفاده بأن الفكر السياسي حاضنة للايديولوجيات والعقائد والمذاهب والفلسفات والنظريات السياسية وباستثناء النظريات السياسية كل ما يتبقى (ايدولوجيات – مذاهب – عقائد – فلسفات سياسية) يتقاطع ويتصارع ويتخالف؟ لماذا لأنه عدا مضامن النظريات السياسية في الفكر السياسي، كل مضامن الاخريات هي عبارة عن تبريرات لمصالح متصارعة او متشاركة او متعاونة مرة ومرة اخرى غير ذلك حسب مسار المصالح.
ومثال على ذلك يقبل الرأسمالي الغربي الاسلامي الشرقي عندما يكون الاخير غير صناعي لا يتقاطع معه، لأن الرأسمالي يبحث عن التعاون مع تاجر وليس مع صناعي. فالقومي الصناعي والاسلامي الصناعي والبوذي والصناعي و و والصناعي يتقاطع ويتنافس بشدة مع الغربي الرأسمالي الصناعي. 
وجميع ما تقدم يمكن أن يفسر التناغم ما بين الرأسمالية الغربية بأطوارها، وصولا الى الرأسمالية المتوحشة وبين الاسلام الاخواني وكذلك الاسلام البازاري زمن الشاه. يقابله التعارض والتقاطع بين الرأسمالي الغربي والاسلام الصناعي الماليزي والتركي والايراني.
اذن متى نتلمس التلاقي بين الوطني والاممي في الفكر السياسي وممارساته؟.
عندما يكون الانشغال فكريا لغرض تفسيرات واجتهادات فكرية تنظيرية (بالوصول الى نظريات او بتطور نظريات قائمة في الفكر السياسي).
عندما لا تكون الافكار السياسية الوطنية والاممية الملائمة جزءا من العقائد او المذاهب او الايديولوجيات والفلسفات السياسية. بل جزء من النظريات السياسية.
عند الفصل الوظيفي بين وظائف المؤسسة السياسية ووظائف المؤسسات الاخرى غير السياسية بما فيها المؤسسات الدينية.
عند الاقرار بالتعددية الفكرية والتنوع المتعايش والمتسامح القائم على الانصاف التبادلي وليس التسامح الاحادي.
عند عودة الاخلاق المعقلنة (التي يتقبلها العقل) البعيدة والمبتعدة عن الدم وعن الاقتتال العنيف والمتطرف 
والمتعصب.
عندما نستخدم الافكار للتفسير وليس للتبرير والافكار للتفسير، ستدخل وطنيا او أمميا من بوابات في دائرة الركيزة من ركائز المستقبل الثلاث (اكتفاء ذاتي في القوت والغذاء واكتفاء ذاتي في الدواء واكتفاء الذاتي في 
المعرفة).
بمعنى أدق وأوضح سيتلاقى الفكر السياسي الوطني والأممي ولا يتقاطع عندما تكون الافكار في خدمة المستقبل للشعوب. ولا مستقبل للشعوب تحت الشمس دون هذه الركائز 
الثلاثة.
وبهذه المقتربات او المدخلات السبعة نضمن ارتفاع منسوب التلاقي بين الوطني والاممي على حساب منسوب التقاطع بينهما.
ونرجع بالختام الى القول إن العلاقة ستبقى سجالية بين الوطني والاممي وان الانحياز لاحدهما بالمطلق سيكون عدميا عقيما، غير مفيد وغير منتج للاثنين معا (الوطني والاممي).