لا بدَّ من قراءة مؤلفات النساء السود

الثلاثاء 21 أيلول 2021 88

لا بدَّ من قراءة مؤلفات النساء السود
 عدوية الهلالي
 
جميلة ريبيرو هي كاتبة ومحاضرة تعارض العنصرية والتمييز على أساس الجنس، وهي فيلسوفة ملتزمة ترفض جميع أشكال التمييز في بلد لا تزال فيه العنصرية ضد السود والسكان الأصليين
قوية.
اما الحديث عن جميلة ريبيرو لدى البرازيليين فيعني الحديث عن نجمة، عن مثقفة تجيد التعبير عن الأشياء، وعن فيلسوفة تظهر على شاشة التلفزيون معلنة عن «ظاهرة اجتماعية حقيقية»، حسب ماذكرته المترجمة والناشرة بولا أناكونا التي نشرت عملين للمؤلفة البرازيلية: هما (مكان الكلمة السوداء) و(وثائق عن الحركة النسوية السوداء).
وتمثل الناشطة السوداء مشروعا ديمقراطيا طموحا يدعو الى الأمل، على الرغم من الاعتداءات اليومية على حقوق الإنسان التي تنفذها حكومة جايير بولسونارو اليمينية المتطرفة، اذ تعبر كلمات جميلة ريبيرو، المكتوبة والمنطوقة، عن رؤية فلسفية واضحة ودقيقة وراسخة. فهي تقول: نحن نعيش في بربرية، حضارة تتميز بالعنف والنهب والاستعمار. وعندما نتحدث عن إطار حضاري جديد، فإننا نتحدث عن إعادة العلوم الإنسانية التي حُرمت في البرازيل اليوم. لأنه بلد عنصري. 
كما تقول: الأرقام مخيفة: شاب أسود يقتل كل ثلاث وعشرين دقيقة، والوظائف الوضيعة تشغلها النساء السود بشكل أساسي، في حين أن الوصول إلى مناصب السلطة هو امتياز للرجال البيض، الأغنياء.. أما بالنسبة للسياسة تجاه السكان الأصليين فليست أفضل من ذلك، حيث يطلق على مئات المجموعات المتنوعة ثقافيًا اسم «الهنود».
وترى الفيلسوفة ان الحركة «النسوية السوداء»هي «حركة اجتماعية» هدفها بناء مشروع اجتماعي جديد. مؤكدة على كسر هذه الأسطورة التي تعد الحركة النسوية السوداء هي حركة هوية. فالعرق والجنس لايشيران الى الاضطهاد فقط. وأن تكون المرأة ناشطة نسوية فلا يعني ذلك أن تكون مناهضة للعنصرية فقط بل ان تتبنى مشروعا طموحا.
وتقول جميلة ريبيرو: في شمال البلاد، يتعرض السكان باستمرار للتهديد وأرضهم غير معترف بها. وإذا طُلب من البرازيلي العادي تسمية خمس مجموعات من السكان الأصليين، فلن يعرف ذلك. لقد كانت هناك بالفعل عملية تجريد من الإنسانية ومحو للهوية، ضمن ما نسميه «مبيد المعرفة». وهي عملية القضاء على كل آثار المعرفة والثقافات والخيال لدى الناس. 
وكانت التلميذة النموذجية جميلة ريبيرو، البالغة من العمر حاليا 39 عامًا، الفتاة السوداء الوحيدة غالبا في مدرستها، وعلى الرغم من تميزها واعتدادها بنفسها الذي اكتسبته من والدها، العامل، والناشط الشيوعي القريب من الحركة السوداء، فقد كانت تعاني من العنصرية بشكل يومي. لذا بدأت ترفض ما يحتقره المجتمع من تراثها، مثل الزي أو شعرها الطبيعي، مدفوعة «بالرغبة في أن يتم قبولها في هذا العالم ذو المعايير الأوروبية». وبعد ان تتشعب قراءاتها وتتنوع، تفتح لها هذه القراءات مسارات التحرر لكي لا ترى نفسها على أنها «محاربة» بشكل خاص.
في أوائل العشرينيات من عمرها، وعندما كانت أماً شابة وكان من حولها يرغبون أحيانًا في تحجيمها ضمن دور الأم، قررت متابعة دورة في الفلسفة. وتقول ريبيرو : لم أدرس الفلاسفة هناك قط، ناهيك عن الفلاسفة السود. وعندما سألت عنهم، قيل لي إنهم غير موجودين!
هنا تبدأ بقراءة كتب جوديث بتلر وأنجيلا ديفيس وتوني موريسون، كما تستمد القوة من قصائد مايا أنجيلو. وتصر جميلة ريبيرو التي تعارض كل انواع التمييزعلى رأيها قائلة: لا أريد أن أدرس امرأة لأنها امرأة، أو لأنها سوداء. ولكن هل من الطبيعي ألا ندرس المؤلفين السود في بلد يغلب عليه السود؟ 
واليوم، تدير جميلة ريبيرو مجموعة بعنوان (نسويات تعددية) تنشر فيها لمؤلفين سود ومن السكان الأصليين. لمن يسألونها عن السبب، تجيب بهدوء: لأننا في عام 2019، وفي بلد يتكون نصفه من السود، على مدى السنوات العشر الماضية، اذ شكل هؤلاء المؤلفون نسبة (10) بالمئة فقط من سوق النشر، مرددة كلمات الفيلسوفة الفرنسية يالا كيسوكيدي التي تقول إن: محاربة الاضطهاد تتطلب أعمالًا إبداعية: إنها تتعلق باختراع ما لم يكن موجودًا بعد. وتباع الكتب بتكلفة منخفضة، لكنها تباع مثل الكعك الساخن الفرنسي كما تقول جميلة وهي تبتسم.
وماذا عن مكانة البيض في الحركة النسوية السوداء؟ إنهم يميلون إلى التفكير في الأمر على أنه (مشكلة سوداء) ولا يدركون أنهم عن علم أو عن غير قصد يتواطئون مع نظام عنيف. كما تقول أنجيلا ديفيس، فلا يكفي أن تكون ضد العنصرية، بل يجب أن تكون مناهضًا للعنصرية. ماذا يمكننا أن نفعل لمحاربة العنصرية اذن؟ تقول أودري لورد: ليس من السهل قتل الظلم فينا. فالطريقة الوحيدة لإثارة الحوارات المثمرة اذن هي الالتزام بمشروع تغذيه الآمال كما تقول ريبيرو، فضلا عن التفكير في نظرية المعرفة الجديدة والبحث عن التعايش، وعن أشكال جديدة من التواصل الاجتماعي لا يحركها اضطهاد مجموعة على أخرى. فمن الضروري قراءة مؤلفات النساء السود، واحترام نتاجهن المعرفي والسماح للفرد بالتفكير في العالم من خلال (نظارات بصرية) أخرى ومناطق جغرافية أخرى للعقل. إنها دعوة لبناء عالم لا يعني فيه الاختلاف عدم المساواة. عالم توجد فيه احتمالات أخرى للوجود لا تخضع لعنف الصمت والنفي.