شعريَّة التنويع في (أُصفّفُ الموت في أهدابي)

الأربعاء 22 أيلول 2021 124

شعريَّة التنويع  في (أُصفّفُ الموت في أهدابي)
 زهير الجبوري 
كانت هناك محطات افصاحية واضحة في بعض القصائد، وهي محطات تستدعي مواقف الحدث والإثارة لحالات شكلت بعض المواقف لبعض الشخوص كـ (المحنة الأولى/ الى: سلمان داود محمد) و (ذات رحيل/ الى: صديق ما) و (هكذا يرحل الأنبياء/ الى: علاء مشذوب) و (قاسم.. الحي الذي لا يرزق/ الى: الشهيد قاسم الساير)، وربما هو نزوع مشوب بالحماس والتأثر والانفعال الداخلي، ولا ضير في ذلك اذا كانت المواقف تشكل النزعة الشعرية في كتابة القصائد
 
رغم وجود السمة التنويعية في تجربة الشاعر أنمار كامل حسين ومجموعته (أٌصفف الموت في أهدابي/ 2020)، إلّا انه يرسم القصيدة بملامح مشحونة بالحسي والهاجسي والغنائي. 
وقد أفاضت شعريته في هذه التجربة الكثير من إسقاطات الذات، وكأن القصيدة عنده مشروع حياتي، إذ لا تكلفة في إرهاق الّلغة ولا الإلحاح في لعبة المجازات بقدر ما يشعرنا كثيرا بوجود إحالات ذاتية واجتماعية وحياتية
خاصة. 
وهذا وحده يعكس مدى التلامس الحقيقي بالمؤثرات المحيطية التي لامسته، لذا كانت هناك محطات افصاحية واضحة في بعض القصائد، وهي محطات تستدعي مواقف الحدث والإثارة لحالات شكلت بعض المواقف لبعض الشخوص كـ (المحنة الأولى/ الى: سلمان داود محمد) و (ذات رحيل/ الى: صديق ما) و (هكذا يرحل الأنبياء/ الى: علاء مشذوب) و (قاسم.. الحي الذي لا يرزق/ الى: الشهيد قاسم الساير)، وربما هو نزوع مشوب بالحماس والتأثر والانفعال الداخلي، ولا ضير في ذلك اذا كانت المواقف تشكل النزعة الشعرية في كتابة القصائد، وهنا تكمن لغة النص بين ما تشكله الصورة الذهنية، وبين ما تشكله صورة الحدث، لتتضح بعد ذلك أن كتابة القصائد في الشكل الذي قرأناه هي ابنة الحدث، والشاعر (أنمار) عبّرَ عن إدراكه لفهم كتابة النص الشعري لأبناء
جيله..
ومن شعرية التنويع التي قرأناها في المجموعة، القصائد القصار، وهي التي تشكل ما يسمى بـ (شعرية الضربة)، وهي في ذات الوقت تقترب من وحدة الموضوع الذي لمسناه في القصائد الأخرى، بمعنى أنها لا تختلف عن المضمون سوى أنها كتبت بالطريقة المكثفة هذه، لذا كانت القصائد (رئة الحرية..، وطن..، حاجة..، موطني..، تحت نصب الحرية..، عهر..، لصوص..، رحيل..، قبح..، عرس..، ثورة..، أهل الكهف..، عبودية)، وغيرها، استكمالا واضحا لبقية القصائد، ولعلني أجزم بأنَّ (أنمار كامل حسين) له قابلية اللّعب بشكل النص الشعري، لأنه باختصار شديد استطاع توصيل المعنى في كلا النصين (الطويل والمكثف). 
لذا نقرأ مقطعا من قصيدة (حناجر بلا أعناق): (لا مجذاف يدغدغ ظهر الماء/ وما من عشيقة في الضفة الأخرى/ تدور في رأس الربان/ ترغمه العودة ناجياً) ص13، ونقرأ في النص القصير (عبودية): (بين العبور والتحرر ذيل رفيع) ص31. هكذا تكون مهارة البناء والقدرة على التنوع، كذلك الاسترخاء واضح في بنية كل نص
شعري..
لا بد من إشارة في المجموعة (وأصفّف الموت في أهدابي)، وهي عملية اصطناع الأسى، وليسمح لي الشاعر، هل كانت بعض النصوص تحمل قصدية التماثل مع الواقع وما يحمل من دلالات الوجع، أم هي إفرازات طبيعية..؟.. الاستغراق في هكذا ثيمات يكشف عن فعل الرغبة وكيفية تأطير جمل فيها معنى الواقع المشحون بالأسى، انطلاقاً من عنوان المجموعة، مرورا ببعض القصائد التي تتمتع بالموضوع، نقرأ في قصيدة (سراديب ليستْ للموتى) ما يشير الى ذلك (ها أنذا ../ أشدُّ وثاق حزني/ نكاية بالفرح القادم مسرعاً) ص54.
أيضا تمتعت قصائد المجموعة بتنويعية على المستوى الأدائي/ الفني ، من خلال تأطير (الأنا الشعرية)، لكنها (أنا) هائمة بكل الأشياء، أحيانا تحتضر، وأحيانا تستعيد النشأة الأولى، وأحيانا تعبر عن مشهدية الواقع، ففي قصيدة (آخر المطاف) تنسرح (أنا الشاعر) باتجاه الحذف الافتراضي، لأنه يكمن في المعنى فقط، ويستكين داخل القصيدة بشروطها الفنية: (لستُ قديساً/ ولا أملكُ قارباً/ أنا السائر نحو حذفي/ كورقة تبغ/ تلفُّ نجيع الدخان)
ص15. 
وفي قصيدة (وأُصفّف الموت في أهدابي) ثمّة تلاشٍ افتراضي أيضا، مع (الآخر/ الحبيبة)، فحين يقول (ها أنذا أتلاشى/ أيتها الكثيرة جدا/ أمضغ حوافر الغياب/ المعبأ بالدهشة/ وأعيدُ لملمة السكون) ص10، نلمس ما بين (التلاشي) و (أعيد) لغة محكومة بالمفارقة، وهي لغة الشعر حتماً، وهو نزوع ذاتي في الوقت نفسه. 
كما تظهر في مناطق معينة ثيمات (الموت) بوصفها العنصر المرادف لإطار الأسى، وهي من الاشتغالات التنويعية ايضا، ربما هو اصطناع معبر عن خطاب عام فرضته سلطة
القصيدة. 
لذا نقرأ في قصيدة (الى الشهيد: فاضل الكرعاوي): (خبر موتك دعابة/ عليك أن تفنّدها/ فقد أتعبنا الرحيل) ص109، وقصيدة (موت): (هذا الموت/ يجعلني هزيلا كمسمار/ يغرس ساقه الهزيلة/ في عوق الجدران) ص111، فضلا عن عنوان المجموعة التي تشكل العتبة الأولى للمجموعة، ومع وجود تناسق في جلّ ما كتبه الشاعر، إلّا أنّي أحسب أنّ التجارب المقبلة ستجعل من (أنمار كامل حسين) يتفرد في لون خاص لموضوعة معينة يحددها لاحقا، رغم أن تجربته البكر هذه كانت ملفتة
للنظر.