الكذب والتسويق التجاري يقف خلفها .. كتّاب يفتخرون بطبعات كتب لا تتجاوز الـ 50 نسخة

الخميس 23 أيلول 2021 543

الكذب والتسويق التجاري يقف خلفها .. كتّاب يفتخرون بطبعات كتب لا تتجاوز الـ 50 نسخة
 البصرة: صفاء ذياب
 
على الرغم من الأسماء اللامعة في الرواية العالمية، ورحيل كتّاب تلك الرواية منذ عقود طويلة، غير أن أعمالهم تلك لم تتجاوز طبعاتها أصابع اليد الواحدة، هذه الطبعات التي لا تقل كل منها عن ألف أو ألفي نسخة للطبعة الواحدة، وهذا ما معمول به عالمياً، أن كل طبعة رسمية تصدر بآلاف من النسخ في الأقل، وربّما خمسة آلاف نسخة في بعض الدول مثل أميركا وبريطانيا.
وحتى وإن اختلف الأمر خلال العقود الأخيرة، وانتشار الكتاب الإلكتروني، غير أن السياق العام لم يختلف كثيراً، فقلّ عدد الطبعات، لكن لم يقل عدد النسخة مع كل طبعة، غير أننا في العراق لنا سياق آخر، لا سيّما دور النشر الصغيرة، التي تعمل بطريقة الاستنساخ (الريزو)، وما تقوم به من إصدار طبعات خاصة بعدد نسخ محدّد جداً، فتصدر الطبعة الأولى بـ 50 أو 100 نسخة على الأكثر، وبعد أن يوزّع المؤلف هذه النسخ الخمسين، يطلب من الدار نسخاً جديدة، فإذا بها تصدر 50 نسخة أخرى كطبعة ثانية، وبهذا تصدر 10 طبعات من الكتاب بنسخ لا تتجاوز 500 نسخة..
فكيف يمكننا قراءة هذا الكذب الثقافي، إن كان ثقافياً؟، وما الذي يدعو هؤلاء الكتّاب للحديث عن طبعات عدّة، في حين أن كتابهم لم يصل إلى أقرب مكتبة لدار النشر، ولم يعرض في أي معرض عراقي أو عربي؟، وكيف نستطيع أن نثق بدور نشر تعمل كمكتب استنساخ، ولا قيمة للكتاب عندها إلا ما يدفعه المؤلّف لهذه النسخ المستنسخة؟.
 
غش أدبي
ينظر الروائي سعد سعيد إلى هذه الظاهرة على أنها من أغرب ما مرَّ بالثقافة العراقية، إذ يظهر كاتب جديد، والأصح كاتبة شابة في الغالب، وفجأة يبدأ الحديث عن عدد الطبعات التي تظهر بعد الطبعة الأولى!، ماذا؟ هل ظهر ديستويفسكي جديد في العراق ليعلن فجر الرواية العراقية الجديد؟!، الأمر واضح، لا بدَّ أن هناك غشّاً فيه، فالمسكين، أو المسكينة، خدعوه حين أخبروه بأنَّ الإعلام يصنع روائيا!، لا يا سادتي، الإعلام يصنع مغنّياً أو حتّى مذيعاً، ولكن الأدب لا يخضع لهذا، لأنه يحتاج إلى دليل هو النص الذي سيبقى شاهداً مباشراً على حقيقة هذا الذي يريدون تسويقه إعلامياً.
مضيفاً: دعوني أعرج على مسألة مهمة، فقد كثر الحديث عن أغراض لجنة جائزة نوبل في توزيعها، ولا أريد أن أنكر هذا، ولكن هل يجرؤ أحدكم على تجريد ماركيز مثلاً من أحقّيته في أن يكون روائياً بارزاً على أساس أنّه قد منح جائزة نوبل لأغراض لا أدبية؟!، معيار الأدب هو النصوص نفسها، لا عدد المشجعين والأتباع يا اصدقائي، فلا تدعهم يخدعوك يا صديقي الكاتب، أما أنت عزيزي الناشر فتذكّر بأنَّ الذي يعيش بالخداع، يموت في ظروف شاذّة وفي ذلك إحالة أكيدة للمثل الشعبي الذي تعرفه جيداً.
 
الاستسهال
ويُبين الباحث رافد عجيل أن هناك أسباباً كثيرة أسهمت في انتشار هذه الظاهرة، منها ما هو متعلّق بعملية التسويق والترويج والإشهار والإعلان بالنسبة للمؤلّف لعدم معرفته بالطريقة السليمة لتسويق نفسه كشخصية إبداعية لديها أفكار وآراء في تخصّصه، لذلك هو يمارس هذه الفعالية بين أصدقائه وأحياناً بمساعدة دار النشر، إذ تقيم دار النشر فعالية توقيع كتاب ويتم توزيعه مجّاناً، وهو عكس ما يجري في العالم، إذ يتجمّع مريدو ومتابعو الكاتب ويصطفون في طوابير للحصول على الكتاب، هناك البعض من المؤلفين في مجال الأدب (النقد، الرواية، القصة، الشعر) يقوم بطباعة كتاب من أجل أن يسجّل نفسه في خانة المؤلفين ويذهب إلى المكتبات وليس إلى دار النشر لطباعة 100 نسخة بتكلفة مادية بسيطة فقط من أجل أن يتساوى مع غيره من الأدباء... هذه الظاهرة لها سلبيات كثيرة منها أن الكتب التي تصدر بهذه الطريقة لا تمر على لجنة مختصّة لترى مدى صلاحية نشرها وقراءتها من قبل الجمهور، كذلك أغلب المؤلّفات الصادرة بهذه الطريقة معدّة بطريقة سيّئة وفيها الكثير من الأخطاء في الأفكار والمفاهيم وسوء في استخدام المصطلحات الأدبية وتوظيفها في النص المكتوب، فضلاً عن احتواء هذه المؤلفات على سرقات أدبية واضحة بدعوى التناص وغيره، كذلك أسهم انخفاض المستوى المادي للأديب أو المبدع، وكذلك ارتفاع تكاليف طبع ونشر وتوزيع الكتب من خلال الدور الرصينة، إلى استعانة هؤلاء الكتّاب بهذه الطريقة للنشر.
 
تسويق رخيص
ويعتقد الناقد حسن الكعبي أن هذه الظاهرة لا تندرج إلّا ضمن مسمى التسويق الرخيص للكاتب، فضلاً عن كونه خداعاً مفضوحاً ومحاولات لاستغفال القارئ والاستخفاف بوعيه، وهذا الأمر يتحمّله الاثنان؛ الكاتب ودار النشر، فهما في هذا السياق مشتركان في التدليس، والغاية من هذه الفاعلية الرخيصة محاولة إضفاء أهمية للكاتب ولدار النشر في إطار فبركة لا يمكن أن تنطلي على القارئ المتابع والحصيف، وعملية التسويق هذه برمّتها لا تعدو كونها استهانة بالوعي، لكن بالتأكيد لن يكون هذا الوعي المستغفل والمهان هو وعي القارئ، إنّما وعي الكاتب ودار النشر، فالقارئ يعرف جيّداً أسرار اللعبة والآفاق التي خرجت عنها، لأنَّ دور النشر المحترمة لا يمكن أن تلجأ إلى هذا النوع من التسويق الرخيص، كما أنَّ الكاتب المبدع الذي يحترم إبداعه ويحترم قرّاءه لا يمكن أن يقبل بهذه الممارسات التي تضر بإبداعه وبمصداقيته ككاتب يؤمن بأنَّ المنجز هو من يسوّق نفسه بأساليب محترمة.
 
ثقة الكاتب
ويرى الشاعر سلام مكي أنَّ غياب القانون الذي ينظّم عمل دور النشر والطباعة، هو السبب في بروز هذه الظاهرة التي تخدع القارئ أولاً، وتقلّل من قيمة المؤلَّف والمؤلِّف بكسر اللام، ذلك أنَّ المنجز الحقيقي هو الذي يسعى صاحبه إلى طرحه في سوق الكتب بكل ثقة ورغبة في المنافسة على كسب ود القارئ والناقد، وطرح الشاعر أو القاص أو الروائي أو الناقد كتابه بطريقة الطبع على شكل دفعات أو الاكتفاء بطبع عدد قليل لا يتجاوز الـ 50 نسخة هو رسالة واضحة بعدم ثقة الكاتب بمنجزه، وانتظاره ما سيؤول مصير كتابه أو الأصداء التي تتركها تلك النسخ، في حين أنَّ طباعة كمّية لا تقل عن 500 نسخة والتعهّد بتوزيعها والمشاركة في المعارض، دليل على رصانة دار النشر والكتاب في الوقت نفسه، ودليل ثقة الكاتب
بمنجزه.
 وقد تكون ثمّة دوافع تجارية من خلال تعمّد بعض دور النشر كتابة عبارة «طبعة ثانية» أو «طبعة ثالثة» على غلاف الكتاب بهدف إيهام القارئ ودفعه لشراء ذلك الكتاب. وربَّما يكون الوضع المالي للكاتب لا يسمح له بطباعة الكمية الاعتيادية وهي 500 نسخة مما يدفع به لطباعة عدد أقل.
 
القارئ البسيط
ويُبين الشاعر مهند الخيكاني أن هذه الظاهرة لم تبرز في الآونة الأخيرة فقط، ولكنها ربّما وجدت ملامح تشكّلها النهائية من حيث استحالتها إلى سلوك ثقافي معمول به من دون أدنى تردّد أو مراجعة. «شخصياً كنت من القلائل الممتعضين من هذه الظاهرة حال بزوغها، وهي ظاهرة جاءت موائمة لتشكل اللبنات الأولى لبعض الدور في شارع المتنبي. وهي محاولة لإبراز دورٍ فعّال وجاذب يسابق الدور الكبرى والمتوسطة في أدائها، وذلك حينما أخذت على عاتقها الطباعة بهذه الطريقة من دون ذكر عدد النسخ في الطبعة الواحدة!»، وعلى ما يبدو أنَّها طريقة للترويج، يشعر معها المتلقي بثقل الكتاب وأهمية الكاتب، كلّما ضغط على أعصاب التلقّي التداولية الواضحة. وهو استهداف واضح وصريح لفئة القارئ البسيط أو البعيد عن إدراك مثل هذه الحقائق، وليس غريباً أنَّ معظم الكتب التي وجدت نفسها مطروحة عبر هذا السلوك الميديوي/ التجاري المحض، هي كتب ركيكة لا نريد الخوض في جوانياتها الفنية.
 
بوار الذائقة
وبحسب الشاعر رحيم زاير الغانم، ففي ظل الكم الهائل من النتاج الأدبي الذي تقف خلفه طوابير من أقلام متعدّدة المشارب، لها الرغبة في الحصول على موطئ قدم، بغض النظر عن فرادة التجربة من عدمها، وهو طموح يسعى إليه كثيرون، وممّا جعله يتنامى ويحظى بفرصة الظهور على الساحة الثقافية، الحرية المفرطة في النشر، فبعض من دور النشر تقبّلت الزائر الجديد بنسخٍ معدوداتٍ، ولم تقفْ عند هذا الحدّ، بل تناغمت مع ما يُطرح من إسفاف، وعدّته الزبون رقم واحد، بتوفير أسباب الظهور والحرص على تسويق نتاجه في منفعة متبادلة، الرهان على الربح السريع لا على المهنية في النشر، لتسهم في إنتاج جيلٍ يتعاطى مع العرض وليس مع الأدب، السوق حاكماً والأدب محكوماً عليه بالإغراق، الأمر الذي انسحب على المبدع الحقيقي ليتغافل هو الآخر عن الرصانة سعياً منه في طلب الترويج بطبعه أولى وثانية، إذن ظاهرة النشر لا تقف عند حدّ توزيع المطبوع على الأصدقاء، بل تتعداها إلى إفساد نواميس نشر المنتج الأدبي وبوار الذائقة بالتشويش على المتلقي.
 
سوق النشر
الكاتب ساطع راجي يُبين أن سوق النشر في العراق تفتقر إلى الشفافية، كما أنَّ الصحافة الثقافية العراقية لا تهتم كثيراً لأحداث سوق الكتاب وتغيب تماماً المراجعات والمتابعات الموضوعية لقطاع النشر... معظم دور النشر تتحدّث عن إنجازات بلا أرقام، ابتداءً من منشورات تتحدّث مثلاً عن نفاد نسخ الكتاب في معرض معيّن من دون أن تخبرنا عن عدد النسخ أصلاً. أمّا إصدار طبعات متعدّدة فهذه مناورة دعائية ليست للكتاب إنّما لدار النشر، إذ يقول الناشر للكتاب عبر هذه الرسالة أنَّه الأفضل في التسويق. 
ويضيف: في إحدى المرّات مثلاً قال شاعر إنه على وشك إصدار الطبعة الثانية من مجموعته الشعرية، وبالصدفة وجدت أنّه قد تبرّع بكل أو معظم نسخ الطبعة الأولى لجمعية تورّطت بهذا الكرم غير النافع.