منحوتات عامر خليل.. وجوه تذكرنا بإرثها الآدمي

الخميس 23 أيلول 2021 291

منحوتات عامر خليل.. وجوه تذكرنا بإرثها الآدمي
 خضير الزيدي 
 
تتأسس محاولة النحات عامر خليل، في إرساء (نحت الوجوه) على عدة قواعد جمالية وفنية لعل أبرزها خلوها من الإطار الزخرفي وتجلياتها في النزوع الى شكل تعبيري خالص يسعى اليه في اسلوب يبدأ من تطويع مادة المرمر الصعبة في النحت الى اضفاء صبغة ذات معيار وأسلوب خاص باسمه الفني، والحقيقة اصبحت مادة المرمر والأخشاب منصاعة بين يديه وهو يمنحنا أعمالا غاية في الاهمية لكن الملفت في نتاجه الفني الصيغة التعبيرية لتعدد قراءة الوجوه وتمثيلها التعبيري. 
هذا النحات بعيد عن فكرة انشاء فن غامض وصعب القراءة، اذ نراه عن كثب يتطلع الى تأسيس فن نحتي متكامل من حيث (المادة وطبيعتها) والصياغة البنائية التي توضح صفاتها في آخر المطاف، اغلب منحوتاته تتخذ من الوجه والأنف طرحا لرؤيته وقد عزم على إنجاز أعمال تخلو من الغرابة منذ مطلع ثمانينيات القرن المنصرم في معرضه الأول، وبقي وفيا لطراز فني كأنه امتداد لإرث رافديني ليضع في حساباته الجمالية المؤثر الحسي وتجسيد المشاعر الإنسانية في منحوتاته فضلا عن خلوها من الأثر الوحشي في تضخيم المدركات البصرية في رؤيتها الاولى، بقي اهتمامه تعبيريا شديد الثبات في تصوير الجانب الإنساني فهو يوازن بين التحديث في رؤية النحت وطابع الحكاية المستثمرة من دون اية شوائب ترافق العمل الفني يؤهله في ذلك صبره في التعامل مع الخامات الصعبة وتراكم المعرفة وطريقة الاشتغال فهو لا يريد استبدال عمل بعمل انما يوضح بأن مخيلته تفرض نوعا من التخطيط الوثيق بين العاطفة المنشودة للحس الانساني وبين مظهر شكلي يغوي المتلقي (بنائيا) قد تبدو مغامرة من قبل عامر خليل في إرساء هذا التداخل وصعوبته وفق وصف يتطابق فيه تجسيد الاصول الفنية الصارمة مع خطاب يسعى لتوثيق كشف جمالي ينساب بشفافية عند المتلقي، هناك سمة اخرى في منجزه بأنه يجاور في عمله بين نسيج التعبير الصادق مع دوافع بصرية تقوم على أساس إحياء رغبة أشكال أقرب للتنوع. 
ولقد بينا ذات يوم بأن قراءة وجوه عامر خليل تستدعي تصورا نفسيا مع تحليل خاص لمعرفة الدوافع وهواجس الشعور الآدمي تجاه الاخر، واحدة من اهم سماته الشعورية ان ملامح الوجوه تستفز من يراها فهي تتوحد في مناخ بنائي واتجاه شكلي جمالي تظهر محتوى وانسجاما وفقا لطرائق تعبير هذا الفنان، فهي تبعث لإحياء رموز راسخة في الفن القديم تجبرنا على متابعتها
معرفيا. 
نقرأ في كتاب (التحليل الثقافي) بأن (بيرجر) قد اشار الى قيام الناس بصناعة ثقافة كبديل لبيئتهم البيولوجية الناقصة غريزيا، قد تكون وجوه عامر خليل وموضوعاتها تلتفت لهذه الرؤية لأنها تتكهن بوجود قدرة في النظام الاجتماعي ربما يتحول لتصنيف من نوع آخر جراء تعدد الافعال وتنظيم الخطاب الاجتماعي والسلوكي، وهذا ما يجعل الدلالة تعكس هوية معين لتصبح امام تماس حي ومباشر في التحولات التي نراها في الوجه الادمي، مناخ المنحوتات لا يستثني الاشارة والرمز والدلالة هناك مستويات بنائية في ابعاد مادة المرمر لا تختلف عن طريقة تعامل عامر خليل مع الخشب المهم لديه انه يلجأ الى عمق تصويري له ثراؤه من طرح الفكرة، هذا التفرد والخصوصية أهّلاهُ أن يتقاطع مع الآخرين أسلوبيا لينتهج نسقا معينا يسهم من خلاله في بث عمل تجريبي يؤثر فينا جماليا.. من جهة أخرى ينتهج هذا الفنان اسلوبا ينفتح فيه على موضوعات تهمنا ويزداد اهتمامنا بها من خلال مستوياتها التعبيرية مثل ما نراه يتعامل مع الجسد الأنثوي وتحولاته الطبيعية.. يمكن له ان يفعّل من تصعيد الخطاب التعبيري وفقا لمرجعيات نفسية بحتة تحتشد فيها سمات شعورية من نوع خاص يوغل عميقا في بيانها شكليا، حتى كأنه يوصف بدقة الاشتغال، هذه المستويات ما هي إلا محاولة لتوظيف فني يتعلق به المتلقي وجدانيا
وجماليا. 
رأينا بعضا من اعمال نحت المرأة يلجأ فيها لإقصاء الرأس فيلغي فاعلية العقل ويبقى على اجواء ايروسية بهذا النمط يحرك من مشاعرنا باتجاه معين بينما يبقي الفكرة الأهم وهو اقصاء الرأس الذي يحتوي العقل، وهذه لعبة تلاحق الموضوعات التي ينبهنا اليها الاقصاء المرسوم له ذهنيا وخياليا لا يدرك بالبصر من دون العودة الى البصيرة. 
هناك محاكمة من نوع خاص ينأى الفنان بقراراتها بعيدا عن ذائقتنا وهي دعوة للتحرر والدفاع وليس بث الشفرات الايروسية في لغة النحت كأنه يسخر منا ونحن ننظر للجسد الأنثوي من زاوية واحدة تكمن في علاقاته الحميمية مع الجسد
المقابل.