فلسفة الإيقاع والنقد الشاعري

الأحد 26 أيلول 2021 301

فلسفة الإيقاع والنقد الشاعري
  عادل الصويري
 
لم يكن اعتباطياً كلامُ الباحث والناقد الأميركي (جورج ستاينر) عن إمكانية تحول النقد إلى إبداع حين أكد أنّ النقد «يمكن أن يكون إبداعاً، لكنَّ ذلك يحدث في حالةٍ واحدة، حين يكون الشاعر حادياً لنظريته الشعرية».
تذكرت مقولته هذه حين قرأت كتاب الشاعر الدكتور علاوي كاظم كشيش (فلسفة الإيقاع في النقد العراقي المعاصر) والصادر حديثاً عن اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، والذي درس فيه آليات الاشتغال النقدي على الإيقاع لستين سنة من 1950 لغاية 2010 منتقداً ما سمّاها «المنهجية المحسوبة سلفاً» في الدراسات الإيقاعية التي تبحث في قضايا الإيقاع، والتي تأتي متوقعة بالحديث عن إيقاع خارجي يتمثل في ثنائية الوزن والقافية، ثم إيقاع داخلي تراه تلك الدراسات في آليات التكرار والتوازي والتدوير. ويرى أن تلك الدراسات أهملت «المختلف الذي لا يتسق أو يخضع لمنهجيتها في البحث»
قيمة الإبداع النقدي في هذا الكتاب تتجلى برؤية الشاعر الناقد للزمن الذي يراه بعين الرائي البعيد زمناً نفسياً له فعلٌ أكبر من «الزمن الفيزيائي في القصيدة» على حد تعبير كشيش؛ لأن هذا الزمن مرتبط بالتدفق والحيوية والحدس وهذه العناصر تعطي للقصيدة ديمومتها وخلودها.
كما يؤكد (علاوي كاظم كشيش) أنَّ لكل قصيدة إيقاعاً خاصَّاً مختلفاً عن إيقاع ثان في قصيدة أخرى، وأن الموضوع ليس كما تصوره لنا الدراسات الإيقاعية من معرفة الوزن أو تشابه في الوحدات الوزنية (التفعيلات) وأن بعض النقاد اعتبروا أنَّ «الإيقاع ذاتيٌّ، إذ يتحرك الكلام الشعري فتتموج فيه الذات، وأن الكلام الشعري لا يسير على وتيرة واحدة فهو يقاوم الملل والرتابة». ويتساءل عن سر الهاجس العجيب في استمرار شغف قراءة قصيدة مكونة من أربعين بيتاً أو أكثر من دون ملل، بل يكون القارئ مستسلماً لـ «جريان الكلام»؟ ثم يجيب عن تساؤله بتساؤل آخر بقوله: «إنه تدفق آخر غير الوزن، فإذا كان الوزنُ معروفاً فمن أين يأتي الاختلاف والتنوع؟».
ويعود مؤلف الكتاب مرة أخرى لينتقد شيوع الطابع التعليمي الذي يهيمن على عملية تقييم القصيدة، وهو طابع يقوم على مصطلحات تمثل محاكاة لفنون مجاورة كما في مصطلح (موسيقى الشعر)، إذ يرى المؤلف أنَّ معايير هذا الفن المجاور (الموسيقى) قد أُسْقِطت بسبب مصطلح (موسيقى الشعر) على القصيدة العربية، وذلك «بمدعاة أنَّ الشعر العربي غنائي، ذو صوت واحد، وهو يوضع للغناء والحداء في القوافل. فصارت النقرات معياراً لحركة الكلام في القصيدة العربية ورجحت كفة الكم على الكيف عند النقاد».
يبدو أنَّ مصطلح (موسيقى الشعر) أدخل الدراسات النقدية المتخصصة في الإيقاع في فخ كبير يعتقد علاوي كاظم كشيش أن النقاد لم يفطنوا إليه كما فطنوا إلى المصطلح الذي اعتمدوه معياراً لدراساتهم. والفخ هو ضياع الخصوصية الفنية للقصيدة العربية حين جعل النقاد العرب – المصريين خصوصاً – الأدب اليوناني «قيِّماً على الأدب العربي» وصار القياس اليوناني هو المهيمن على تقييم القصيدة العربية على صعيد البناء. وصار المصطلح يعتمد القالب على حساب الكلام في القصيدة التي أصبحت أبياتها «مجموعة أدراج، أو أنها عمارة من عدة طوابق، وهذه صورة مكانية مهيمنة على القصيدة وهي تسيل في الزمان ولا علاقة لها بالمكان».
وبعد هذه المعطيات التي رصدها المؤلف في مقدمة كتابه، قسَّم فصول الكتاب إلى عدة عناوين جاءت بالتسلسل: «جدل العروض والإيقاع، إذ بحث فيه العروض والإيقاع بين نازك الملائكة والسياب، والتدوير، والعروض السيّابي والبحور المشكوك في أصالتها ونظريات المستشرقين في العروض العربي ثم الإيقاع مكاناً هندسياً. وجاء الفصل الثاني بعنوان: (الإيقاع والموسيقى في المشغل النقدي العراقي) وبحث فيه تداخل الإيقاعين الموسيقي والشعري، والنظام بديلاً عن الإيقاع. بينما جاء الفصل الثالث الذي أراه أجمل فصول الكتاب بعنوان في غاية الشاعرية: (الإيقاع تموّج الذات وطفولة الكلام)، وكان ذا مباحث بعناوين شاعرية هي الأخرى، إذ بحث الإيقاع بين الفوضى والنظام، والإيقاع ماءً، والتشابه المختلف وسردية الإيقاع، والإيقاع فاعلية ابتكارية، والإيقاع شكل الأداء وطفولة الكلام.
ومن الخلاصات التي جاءت بعد هذه الرحلة الإيقاعية، والتي تبدو جديرة بالتأمل والتقصي، ما ذكره المؤلف بشأن البحور الشعرية التي وجدها «ليست تاريخية بل هي أنظمة مفتوحة أمام الكلام الشعري، ويمكن للشاعر الموهوب أن يُحيي هذه البحور».