تجهُّمات بلا خواتيم {من سيرة الرّزوح}

الأحد 26 أيلول 2021 122

تجهُّمات بلا خواتيم {من سيرة الرّزوح}
  رعـد فاضل
 
*إذا أراد العراقيّ العيش حقّاً: عليه الفرار من حياته العراقيّة إلى حياة يؤسّسها بنفسه، بعيداً عن هويّة حروبه ونكساته ومحناته وغصّاته وانكساراته وأوهامه وآماله وأحلامه وخيباته وخيباتِ العالم به، وأن يتوقّف نهائيّاً عن التّباهي بأنّ أوّل عجلة وحرْف وتشريع ومكتبة وعَمارةٍ... قد خرج من تحت أيدي أخلافه، بعد أن يسأل نفسه: أنا ماذا فعلت؟ علينا أن نفهم أنّ حياتنا مَن يجب أن نخاف منها لا من موتنا!، متى يتعلّم هذا المسمّى وطناً استيرادَ الحياة، إن لم يكن قادراً على انتاجها؟ حقّاً الأمل ابنٌ لكلّ خيبة. بعد العاشر من حزيران توقّفت عن أن أتكلّم على مسمّيات أمثال: الوطن. الوطنيّة. المواطنة، ذلك أنّي رازح هنا منذ سبعة وعشرين شهراً، أي منذ تسعة عشر ألفا وأربعمئة وأربعين ساعة فقدتُ خلالها تدريجيّاً انتمائي إلى تلك المسمّيات. 
تُرِكنا نحن مُواطني الموصل بلا حدود، بلا دولة، بلا حماية، بلا رعاية، بلا مدارس وجامعات، وبلا رواتب (منذ ستة عشر شهراً). صارت كلّ مدن هذا الوطن لا تتكلّم سوى على حماية حدودها واقتصادها وأمنها وثقافتها! باختصارٍ تُركت المدينةُ بلا وطن تنتمي إليه. 
اليوم بتُّ بشدّةٍ أُثنّي على رأي سيوران بأنّ ((الإنسان الذي يحترم نفسه ليس له وطن)). في ما يخصّني: الكتابةُ وحدها وطني.  
* ما زلت في هذه الجهة أُغَـطّ وأعـوَّمُ في موج عيشٍ ما. تكاد تكِلّ وتنطفئ من الغَطّ والبَصّ يداي وعيناي، وما من زورقٍ ما. ما من طوق نجاة أو حتّى غصن أو قَشّةٍ ما. ما من أيّما شيء ما يأخذ بأصابع هذا التّعب إلى يد طمأنينةٍ ما. 
حتّى الآن ما من شيء ما يلوح في أيّما أفق ما لأملٍ ما.
* ما ورّثني إيّاه خَديني الليلُ أن أقرأ قبل النّوم طامورَ كوابيسي بمجلّداته السّتين فيما تحت الوسادة يرجف هلعاً كرّاسُ أحلامي النّحيل. 
* أذكرُ في ((بستان آمْهِيْدي)) خمس عشرةَ أرجوحةً كنّ مُدلّياتٍ حول ((بـئر البنات))، وأذكر خمسةَ عشرَ عـنُقاً ذات صيفٍ دُلُّوا بحبال، وخمسَ عشرةَ أرملةً كنّ يندُبن قرب السّاقية. أذكر خمسَ عشرةَ طفلةً وطفلاً (أنا من بينهم) كلَّ ربيع كانوا يتأرجحون في فضّة من هواء. وأذكر بعد خمس عشرةَ سنة خمسةَ عشرَ حبلاً لا تزال آثارها حول أعناق الأشجار. وأذكر خمسَ عشرةَ شجرةً غالباً ما كنّ ينُحن في الليل.
* ألا يمكن القول الآن أكثر من أيّما وقت مضى: يا لخيبة تولستوي، بعد أن قضّى حياته الأدبيّة كلَّها باحثاً عن مفتاح واحد لجميع الأبواب المغلقة؟، سؤال لا أطرحه على هذه الأبواب، وما أكثرَها اليوم، وإنّما على من لا يزالون يبحثون عن مثل ذلك المفتاح.
* سُرادق الأمل الفارغ منصوبٌ وما من معزّينَ سوى الخُلَّص حدّ اللعنة والسُّقمِ، أعني شُحَّ الحيلة والتّجهم واللومَ والنّدم.
* صُبّي دائماً (كما ربّيتِني) كثيراً من زيت الرقّة في موقد الدَّلال القديم. أحتاجُ هذه الأيّامَ أن أكون سَخيناً: أنا المحمومَ بتلك الأيّام.
*... يكلّمونني من كلاويش السّليمانيّة على الشّعر والثّقافة/ فيما كنت أحاول الخروج من حرب شِبه المدينة حيّاً!
* أغفو لا لأنام، ولكنْ علّ يداً ما تتـلُّـني من طاحون هذا الصّحو المُدوِّخ الرهيبِ الذي لا يكلّ ولا يملّ ولا ينام. حرّ ومنتمٍ في آنٍ: حرّيتي في النّوم، أما انتمائي فقسريٌّ إلى العالم. من هنا أفردَ جون دَن قصيدة عظيمةً قد لا تُضاهى عن النّوم؟، كالعادة أعرف أنّي حتّى إن نمتُ، لن أنام مطمئنّاً!
الحشود تتقدّم. تتقدّمُ الحشود كثيراً مُطوِّقةً المدينة. المطوَّقون في المدينة ليسوا سوى قَعَدةٍ ما بين آملينَ وهلِعِين. الحشودُ تتقدّم. الطّوق يضيقُ: يتّسِع الرّعب والأمل. الحشود تضيِّق الخَناقَ أكثرَ. الحياة في المدينة تتسِع في آنٍ وتضيق. كلّ شيءٍ من حول المدينة إلى المدينة يتقدّم.. والمدينةُ تتسِع... لتَضيق. كان عليهم أن لا ينتظروا طويلاً. تأخّروا كثيراً: هذا ما يتناقله القَعَدةُ الآن، بينما الخَناق يضيق: لتتّسع المدينة.