لا خيار أمام الانتخابات الا أن تكون مفصليَّة

الأحد 26 أيلول 2021 126

لا خيار أمام الانتخابات الا أن تكون مفصليَّة
 رزاق عداي
طالما ان الانتخابات النيابية المبكرة على الابواب، ويصفها الكثيرون بانها ستكون مفصلية، اي انها ستحث التغيير الذي طالبت به تظاهرات تشرين 2019، اصبح الحديث عن التجربة الديمقراطية في العراق ومخرجاتها يمتلك المبررات الكافية، فالشعوب الحية هي التي تتأمل تجاربها السابقة وتخضعها دائما الى منطق النقد المستمر. 
 
وليس من شك في أن إشاعة وتكريس الديمقراطية عند هذه الشعوب هي أصعب من توظيف او زج ايديولوجيا معينة كمرشد للحكم او فرضها كإطار للفعالية الاجتماعية والسياسية. والسبب بسيط هو ان الايديولوجيات قد تقحم احياناَ كثيرة على الشعوب، ولكن الديمقراطية بصيغتها المثالية تنغرز وتتأقلم في البنى السياسية والاجتماعية عن طريق الممارسة بكل اشكالها وتفاصيلها وعلى شكل تدرجي، فهي بالتالي انبعاث متنامِ لمناخات جديدة وتطور في الوعي يتحدد في مفاهيم جديدة وفي مقدمتها الاعتراف بالآخر. 
التجارب في البلدان التي انتهجت الديمقراطية منذ احقاب بعيدة تتحول الديمقراطية فيها الى ثقافة وسلوك عضوي، ينغمسان خلال الحياة اليومية، فعندما يكون عدد من يحق لهم الانتخاب في فرنسا 50 % فقط، فهذا لا يعني ان المجتمع الفرنسي غير ديمقراطي، فأحيانا قد لا تقاس الديمقراطية بحجم الممارسات الاجرائية الاساسية كالانتخابات مثلا ولو انها تعد عتبة قياس لا بد منها للعمل بموجبها. فالديمقراطية في المجتمعات المتقدمة في هذا المضمار باتت راسخة كمؤسسات سياسية واجتماعية وقانونية. ومن باب التأسيس الواقعي في مواجهة الحقائق ينبغي الاقرار أن الديمقراطية في العراق ومنذ البدء، واجهت اشكاليات عميقة تتمثل في القطيعة الطويلة والغياب التام لاية ممارسة ديمقراطية، وعلى مدى أكثر من اربعين عاماَ، والامر الآخر هو الموروث السلبي الضخم الذي خلفه النظام السابق من ممارسات تسلطية وتعسفية عملت على تشويه بنية المجتمع والفرد على حدٍ سواء، ثم تأتي الاشكاليات اللاحقة في صيغته الراهنة من شيوع الطائفية والمحاصصة. وكما اسلفت فان الديمقراطية ليست ايديولوجيا بحتة او نظرية محضة جاهزة للتطبيق، وهو ما يتبادر لذهن البعض، فلا يمكن الشروع في تطبيقها للتو، فهي سلوك يقتضي المدى الزماني المطلوب لاستيعاب التجربة في خضم الحياة. 
والحقيقة إن بروز مفاهيم جديدة للديمقراطية شكلت أركانها الاساسية «كالاختلاف، وتبادل السلط السلمي، والاعتراف بالاخر»، كان غريبا على واقع االمجتمع العراقي منذ البداية، لا سيما ان هذه المفاهيم قد اقحمت في الممارسة دون وجود مرحلة انتقالية تسمح بفهم هذه المفاهيم بشكل تدريجي، فاصبحت واقعا حتمياَ لا سيما أنه تطابق مع متغيرات معرفية وتنظيرية جرت على المسرح العالمي بعمومه، وحصلت انزياحات في ايديولوجيات كبرى عالمية، كان لا بد من العراق أن يتأثر بهذه المتغيرات، فالمرحلة التي امتدت منذ 2003 شهدت معتركا وتداخلاَ شابه الكثير من الأخطاء والعثرات حتمت بالنتيجة الى انطلاق التظاهرات خلال سنوات متعاقبة، تكللت بانتفاضة تشرين 2019 والتي كانت أول مطالبها هي الانتخابات المبكرة، التي تعني ان ثمة اخطاء فادحة لا بد من تغيرها، وهذا لا يتم الا عبر انتخابات تكون مفصلية وحاسمة.
فما يدعو له الكثيرون بمفصلية الانتخابات المبكرة القادمة هو امر لا بد منه، وهو حائزٌ لضرورته لانه يمثل مطلبية جماهيرية اساسية اقترنت بتضحيات جسام.