رصانة المنصات الإلكترونية

الخميس 30 أيلول 2021 165

رصانة المنصات الإلكترونية
 حبيب السامر
 
هل تبدو وكأنها خلاصة معادلة تلقي بظلالها على انتشار الفضاءات الإلكترونية بهذه السرعة العجيبة، وهي تحاول أن تغزو رائحة وملمس الورق، وتقلل من حجم الكتب المتكدسة في مكتباتنا، وتناثر الملفات الورقية، وألوان المحابر، وتنوع الأقلام وتعدد المناشئ؟ نعم.. مع هذا التسارع المستمر في ثورة التقنيات وبزوغ منصات لا حصر لها في الجانبين الثقافي والإعلامي وسرعة تقليب صفحات (الفيس بوك والانستغرام والواتساب) بألوان واجهاتها البراقة وإدخال مغريات عديدة جعلتنا لا نفارق أجهزة (الاندرويد والآيفون) وأخرى عديدة..لوعدنا الى الوراء قليلا، وفي الجانب الثقافي والأدبي على وجه التحديد سنتذكر مواقع قليلة كانت محط تصفحنا اليومي في البدء كانت المواقع بتبويباتها المتشعبة، ونحن نضع أصابعنا على أيقونة ثقافة/ أدب ونتابع بشغف بعض أسماء كنا ننتظر إبداعها.. ثم ظهرت مع مرور الوقت ومن دون الالتزام بوقت ظهورها، وننظر إليها من زاوية المتابعة التي تسحبنا إليها مع تحديثاتها اليومية، حتى بتنا نعرف وقت تحديثات موقع كيكا مثلا، أو جهة الشعر، المثقف، النور، الناقد العراقي،
تكوين..
فعلا، تشكلت العديد من المواقع والصفحات والمنتديات، وتحولت الى بوابات تتزاحم في الظهور وتحاول أن تستقطب جمهورها، وتحاول أن تفتح شهية القرّاء بتنوعها وتصميماتها الجاذبة، حتى غزت عالم الأنترنيت بشكل متسارع ومتصارع محاولة منها الوصول الى أبعد النقاط في الجهات الأربع.. ومع ظهورها السريع، هناك صفحات انحسرت سريعا أيضا، وأخرى تتناسل، لكنّ البقاء للأجمل، هناك مواقع حافظت على منهجيتها المبدعة منطلقة من نقطة الضوء التي تخترق العتمة، ومن الموجات التي تتلاحق كي ترسم لوحة على الساحل، ليتفاعل المتلقي وسط زحمة المواقع مع ما يجذبه ويحاكي تصوراته وتطلعاته ويشكل الرؤية المنطلقة من الفضاءات المفتوحة نحو عوالم تتسم بالجمال وتتعاظم صورة الثقافة في مخيلتنا، كي تتوزع في فنون مجاورة وبؤرة فعل متجدد، قد تتسم بعض المواقع والصفحات بالسرعة التي تفقدها بريق الرصانة الإبداعية، لكن المعنيين والقائمين عليها يعزون ذلك إلى مواكبة كل جديد، ووضع المتلقي في آخر صور الثقافة ومناهلها، ومع تضارب وجهات النظر واتساع الفراغ المحيط بنا، نجد أنفسنا في حيرة دائمة مفادها: الى أين تتجه بوصلة الثقافة الإلكترونية، وسط هذه الحشود من مواقع ومنصات متعددة.. هل ستأخذنا نحو الجودة في النص والبحوث والمقالات الفكرية والنقدية والدراسات الرصينة أم تتناسخ مواد هذه المواقع وتجدها منشورة كالخبر الصحفي في كل الصحف.. هنا نضع علامة استفهام كبيرة وبعض تساؤلات عميقة، ماهي الغاية من انتشار هذا الكم الهائل من دون خصوصية وتخصص معرفي؟، تطالع المادة هنا وتعيدها هناك وتقرأ مقالا في موقع كبير وتجده متنقلا في مواقع عديدة..
متى تتم المحافظة على خصوصية كل موقع وبوابة معرفية من دون تداخل واستنساخ؟ يجعل الملل سمة سائدة لدى المتابعين، ويفقد النص والمقال بريقه بتكرار نشره، كما هو الحال في صفحات التواصل الاجتماعي الشخصية، وأقول: الشخصية، وهنا لا أقصد التدخل في الشأن الخاص ولكن حين تتدفق المنشورات بعدد الساعات أو قد نختصرها الى أقصر من ذلك.. وهو/ هي، بهذا النشر المتسرع يفقد جمهوره ويصيبهم بالملل، وقد يغادرون صفحته هروبا من تكرار ظهوره لديهم. هذه هي المعادلة العصية على الفهم، والعجيبة في عوالم (السوشيال ميديا) وتفرعاتها الغريبة، في محاولة للقبض على كينونة الحالة المثلى لنمو النص بهدوء من دون تشعب وصخب، والتفكير في مسك جوهر الفكرة وجعلها تصل إلى عوالمنا المتداخلة من زاوية الضوء
الحقيقية.