شعريَّة الرفض في ديوان «لا بابَ للبيت»

الخميس 30 أيلول 2021 129

شعريَّة الرفض في ديوان «لا بابَ للبيت»
 أ.د. سعد التميمي
 
يرى باشلار أن فلسفة الرفض لا تقوم على الهدم السلبي بل على المراجعة من خلال المعرفة المراجعة والنقد ومواجهة الفشل لاستشراف المستقبل، وهي تنطلق في داخلنا وفي خارجنا فالتفكير والتأمل بالواقع يكشف لنا مواقف ورؤى مختلفة، وفي ديوان «لا باب للبيت» للشاعر علي الشلاه تتجلى بوضوح فلسفة الرفض لكل أشكال القبح والخيانة والاضطهاد، التي عبر من خلالها الشاعر عن رؤيته للواقع في ماضيه وحاضره واستشراف المستقبل في صورة حلم لعله يتحقق، وتقوم شعرية الرفض في هذا الديوان من خلال التوظيف الواسع لأسلوب النفي الذي يعكس حالة القلق الوجودي الذي يعيشه الشاعر، ويتجلى ذلك في عتبة العنوان والغلاف والاستهلال المتمثل بالإهداء، فضلا عن متون القصائد، إذ يتجلى انعدام التشابه الإرادي والتماثل المقصود بين عالم الشاعر والعوالم الأخرى، لأنه يوظف النفي ليحقق الإثبات بطريق المخالفة. فالغلاف فيه أكثر من أيقونة تشير الى الرفض مما يعكس قصدية الشاعر في إيصال رسالة تعبر عن موقفه من كثير من القضايا عبر الزمن المطلق الذي لا يرتبط بالحاضر فقط، فعنوان الديوان يتشكل من جملة منفية تصدرتها أداة النفي (لا) التي كتبت بلون مختلف، وعزز ذلك صورة الباب الموصدة في أسفل العنوان، فالباب هنا ترمز للحرية وهذا ما عبرت عنه القصيدة التي حملت العنوان نفسه وجعلها الشاعر في صدارة الديوان، ولما كان العنوان نصا موازيا وعتبة تسهم في تفكيك شفرات القصائد فإنّ بنية النفي التي قام عليها تسللت الى معظم القصائد، ولم يخل منها استهلال الديوان الذي خالف فيه المألوف فنفى الإهداء (ليس إهداء) ويقول في متنه:                               
 الأيام التي تجترّ أيامها،
 ليست عُمْراً نُحاسبُ عليه  
 لكن الأيام التي تجترُّنا بفرح أو حزن،
 تلك أيامنا.. وإنْ تكررت.
 هذا الكتاب تكرارٌ لعمر لم أعشْهُ
  ولذا أهديه لكم، علّكم تعيشون بعضه..  
فالشلاه في هذا الإهداء يوجز فلسفة الرفض التي قامت عليها معظم قصائد الديوان من خلال توظيف النفي ثلاث مرات: في الاولى ينفي الاهداء وفي الثانية ينفي أن تكون الأيام الماضية عمرا ويأتي توظيف الفعل (تجترّ) لتصوير فعل التكرار والرتابة، أما المرة الثالثة فينفي فيها عيشه للعمر الذي صورته القصائد، راجيا ان يعيش بعضه المتلقون، وهذا الرفض الذي يحضر بقوة ليكون بنية مؤسسة في الديوان ينبع من القلق والمعاناة التي تخللت محطات العمر، فهو تارة يبكي الواقع وتارة أخرى يسخر منه، ويأتي النفي ليكون أداة الرفض والثورة والتمرد على الواقع رغبة في الوصول إلى فضاء أرحب يتخلله الأمل والجمال والخير، كما انه يعكس حالة الاغتراب التي يعيشها الشاعر في عالم تكالب عليه الأشرار، وهذا ما نجده في قصيدة «لا باب للبيت» التي يقول فيها:                 
كلُّ سورٍ سجنٌ، ولو كان سور الجنة 
كلُّ جنَّةٍ سجنٌ آخر،
وانْ كانتْ فسيحةَ الحدائق والأنهارِ،
كلّ علاقةٍ قيدٌ... إلّا علاقةُ الانعتاق.
لا معنى للحريةِ بتعدد الجدران 
ولا جدرانَ تحجزُ معنى الحرية المتعددِ.
كلّ نافذةٍ جدارٌ مكسورٌ، وكلّ جدارٍ نافذةٌ ملغاة،
كلّ بابٍ ارتباكٌ بينَ سجنين يشي أحدُهما بالآخر
وإن كانا من الجنسِ نفسه.
............
في بابِ الموتِ لا تجد باباً
في باب الموت لا تجد بيتاً
في باب الموت كن ما تشاء  
ينطلق الرفض بالنفي في هذه القصيدة من سياق التعميم الذي عبر عنه من خلال لفظ العموم (كل)، فضلا عن التقابل بين معجم العبودية (سور، سجن، جدار، قيد، الموت) ومعجم الحرية (الجنة، الحرية، الحدائق، الأنهار، الانعتاق) الذي يقوم على النفي، فالسور نفي للجنة، والسجن نفي للحرية، لكن هذا التقابل يقوم على الجدلية التي يظل فيها الشاعر في حالة قلق وحيرة بين الطرفين، وهذا ما عبر عنه في توظيف بنية النفي بشكل مباشر من خلال أداة النفي (لا) مرتين، فاذا انتفى كل معنى للحرية بوجود الجدران التي ترمز للاضطهاد، فإنّ الحرية المتعددة لا تحجزها الجدران وهنا إشارة إلى أن الإيمان بالحرية يجعلها حقيقة خالدة، وتزيد بنية النفي من الفاعلية الدلالية، إذ تشكل بنية الرفض أو النفي معادلا موضوعيا للاغتراب النفسي للشاعر، الذي يعمد إلى تحشيد المفردات والتراكيب والصور التي تعزز حالة الرفض، وهذا ما يعبر عنه الشلاه في آخر القصيدة من خلال خلق صورة جدلية بين الموت من جهة والباب والبيت والحرية متمثلة في جملة (كن ما تشاء) من جهة أخرى، فالموت يرمز للسجن، والباب والبيت يرمزان للحرية إلّا أنّ الشاعر ينفيهما بوجود الموت، لكنه يختم القصيدة بدعوة للثورة على الموت والانعتاق من
 سطوته.                                              
إنّ هيمنة النفي بوصفه عنوان الرفض في هذا الديوان أصبح المفتاح الذي یمكن من خلاله أن نقف على الرسائل التي أراد الشاعر من خلالها التعبير عن رؤيته اتجاه الواقع بمعطياته السلبية المرفوضة، ويأتي النفي ليثبت المعطيات الايجابية التي يشير اليها الشلاه بين الحين والآخر، ليكون الجدل حاضرا في المقارنة بينهما، إذ يقول في قصيدة «الحياة كذبةُ شاغليها»:            
لستُ واثقاً لأنكَ لستَ واثقاً
وعاءُ معرفةٍ سيماؤُه قلقٌ راغبٌ بالاستزادة، 
العينُ بوابةٌ قلقةٌ لفؤادٍ جائع 
الروح بئرُ أخطاءٍ ضروريةٍ للأنسَنةْ                                                           
والأنسَنةُ تناسل أخطاء
لا حياة لمن لا يدرك فوضاها 
ولا تكرار متطابقٌ إلا بالموت!
نحن ابتداء سوانا وذرّيته 
نحن الآخر الذي ننكره 
وشجر المعنى الذي يعثق من دواخله 
الحياة كذبة شاغليها 
والموت مرارة الاكتشاف 
  ولا يقتصر الرفض على النفي فقط، فالشلاه يعبر عن الرفض من خلال التقابل بين الأفكار، فهو يوجز القصيدة بعد العنوان بعبارة (قراءة للارتباك) فالشاعر يرفض الارتباك والأخطاء والقلق ثم يعود ليقرر أنه من طبيعة الإنسان فالأنسنة تتطلب القلق والخطأ، ولا حياة من دون فوضى، لكن المتلقي يستطيع ان يتسلل الى قصدية الشاعر من خلال الصور المبثوثة في ثنايا القصيدة التي تنص على أنه يرفض الفوضى والتسليم للأمر الواقع إلّا أنّه في الوقت نفسه يقرر في آخر القصيد (نحن ماضٍ لا يمضي ومستقبل لا يجيء) إلّا إن ذلك يأتي في إطار الرفض والسخرية من التسليم، فعلينا ان نغادر الماضي ونصنع المستقبل، وهذا ما قصده الشاعر فالروح متعطشة للانعتاق من السكون والركود، وفي الأخير نرى أن النفي بوصفه بنية مؤسسة في الديوان عبرت عن موقف الرفض وانفتحت على فضاء الشعرية كالتكرار، والغموض والمفارقة والصورة والانزياح والمجاز
والاضداد.