الثقافة لإنقاذ البلاد

الخميس 30 أيلول 2021 156

الثقافة لإنقاذ البلاد
طالب عبد العزيز 
من الإنصاف بشيء، أنْ يعامل المرءُ على وفق ما يقدمه لبلاده وللإنسانية، لا على وفق المنصب الذي يشغله، فالوظيفة والمنصب هي تشريف وتكليف، قبل أي اعتبار. ويبدو أنَّ أنظمة عملت في إداراتها بموجب القاعدة هذه، واتخذت من قيمة العمل وما يقدمه صاحبُه من خدمة معياراً في نظرتها الى الوظائف بعامة. ومع يقيننا باستحالة استصدار قوانين ذات طابع يرقى الى الفهم هذا، في بلادنا، إلا أننا نحاول أنْ نلقي حجراً في بركة السياسة العراقية الخاملة، علَّ أحداً يتنبه لذلك.
 في القرن الثامن عشر كانت حكومة مملكة الدنمارك قد منحت الشاعر وكاتب الحكايات الخرافية هانز اندرسن (1805-1875) منحة مالية، ليكتب قصائده وحكاياته، ليقينها بأنَّ المنح المالية للمبدعين في أيِّ مفصل واجبٌ يتوجب عليها القيام به، هذه المنحة ماتزالت حكومة كوبنهاجن تعمل لأهمية ودور الثقافة في صناعة مستقبل الانسانية. ومثلها تعمل حكومات ومنظمات ثقافية في العالم، إذ لا يمكن الحديث عن قيامة نهضة ثقافية، دونما تخصيصات مالية كبيرة، دونما عناية حكومية، وتفكير جاد بآلية معينة، تسهم في فهم الثقافة بوصفها منتَجاً وطنياً وقومياً لا يقلُّ شأناً عن أيِّ نشاطٍ سياسي واقتصادي وتجاري. 
 هل نذكِّر بمقولة رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل: «إن حكومة جلالة الملكة فخورة بأنها تصدر للعالم أرقى أنواع المكائن ومعها شكسبير»، هو الذي أبدى استعداد بريطانيا الى التنازل عن معظم مستعمراتها في الشرق ولا تتنازل عن مسرحية واحدة لشكسبير. ولأنَّ حال الثقافة في العراق تعرض الى هزات عنيفة، في العقود الأخيرة، ولأسباب كثيرة، ليس أقلها صعود التيارات الدينية، وتحكمها بمقاليد السياسة والحكم، هي التي لا ترى في الثقافة إلا مهدِّداً لها، ولا تخفي نظرتها الى المفصل الحيوي هذا، فتوصف أصحابه بالتهتك والخلاعة والمجون والمروق عن الجادة، وما الى ذلك من التوصيفات الجاهزة لديهم، لأجل ذلك كله، نرى بأنَّ الوقت مناسب لكي نعمل على تدبيج ورقة عمل تنحصر مهمتها بالنظر المنصف والجاد الى شأن الثقافة وما ينبغي أن تكون عليه. 
ربما تكون مناسبة معرض الرياض للكتاب والحضور الكبير للثقافة العراقية هناك، بوصفها ضيف شرف لهذا العام، مناسبة للقول بأنَّ غياب الرعاية الحكومية الحقيقية قد طال جداً، وشكوى وزارة الثقافة من قلة التخصيصات المالية بحاجة الى رسم خرائط جديدة. ليس العراق بلداً نفطياً فحسب، هو أكبر جغرافيا عربية للثقافة، وصورته في الإعلام العربي والغربي بحاجة الى فعل ثقافي لإنقاذها، وهذا لا يعني قيام الثقافة بتلوين وتلميع الصورة القبيحة للحكومات، أبداً، البلاد شيء والحكومة شيء آخر. الفساد المستشري وحروب الطوائف والتحاصص السياسي والخراب المجتمعي لا يمكن إصلاحه بالثقافة وحدها. نحن نتحدث عن بلاد كانت منارة في الفكر والفن والحضارة، نريد استعادة صورتها عبر آلية مختلفة، آلية تعتمد الفكر والثقافة والفن خارج اصطراع الحاكمين.