من الأنوثة إلى الأفكار التحرريَّة ثم الخطاب المزدوج

الثلاثاء 05 تشرين أول 2021 152

من الأنوثة إلى الأفكار التحرريَّة  ثم الخطاب المزدوج
 عدوية الهلالي 
 
منذ بداياته، أي منذ ان ظهرت المدرسة الكلاسيكية في الادب الفرنسي، كانت المسرحية الكلاسيكية أفضل تعبير عنها لكنها لم تجد مشاركة نسوية، فيما نجحت الكاتبة مدام لافاييت في كتابة واحدة من اولى الروايات المهمة في الادب الفرنسي في هذا اللون من الادب وكانت بعنوان (اميرة كليفز) عام 1878، وقد لقيت هذه الرواية ثناء على ما احتوت عليه من تحليل نفسي ومعالجة تتسم
بالمهارة..
وبينما خلا عصر العقل او عصر التنوير الذي يمثله القرن الثامن عشر من مشاركات نسوية حيث صب فيه الفلاسفة اهتمامهم على العقل باعتباره احسن الطرق لمعرفة الحقيقة، كان للأديبة الفرنسية وجودها البارز في عصر الرومانسية اذ خلفت مدام دي ستايل اثرها الكبير على نظرية النقد الرومانسي الفرنسي عندما اصدرت كتابها عن الادب عام 1800، وادخلت الرومانسية الالمانية الى فرنسا عندما كتبت كتابها عن المانيا عام 1810، ثم اندفع بعض الكتاب الرومانسيين نحو اسلوب آخر في القصص يميل الى الواقعية، وكانت بينهم من النساء امانتين اروري، واسمها المستعار (جورج صاند) والتي بدأت حياتها الادبية بكتابة روايات عن الحب والعواطف الجياشة مثل (انديانا) عام 1832، (ليليا) عام 1833، ثم التفتت فيما بعد الى الموضوعات الريفية، خاصة في روايتها التي كانت تعالج حياة الريف وهي (البركة المعمورة) عام 1846.
ولم يظهر للمرأة دور بارز في المراحل الطبيعية والرمزية من الادب الفرنسي لكنها وجدت لها حضورا قويا في تبني فلسفة الوجودية التي أثرت تأثيرا قويا في الادب الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945) كما فعلت سيمون دي بوفوار التي استطاعت ان تحبب الافكار الوجودية في اعمالها الادبية مثل (من أجل اخلاقيات الغموض) عام 1947.
ومنذ الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين أضحى هناك تطوران رئيسان في الأدب الفرنسي. أما التطوّر الأول فكان في ظهور مسرح اللامعقول وكان التطور الرئيس الثاني في ظهور الرواية الجديدة. وكان من أهم من يمثل هذا التطور ألان روب غرييه، وميشيل بوتور، وكلود سيمون من الرجال، وناتالي ساروت من النساء. وقد ابتعد هؤلاء الكتاب عن الأفكار التقليدية للرواية مثل سرد القصة الواقعي والعقد. وبدلاً من ذلك فقد كانت قصصهم تركز على وصف الأحداث والأشياء كما رأتها شخصيات
القصة. 
وفي سبعينيات القرن العشرين ظهرت حركة نسوية في محيط الأدب الفرنسي. فقد وجه عدد من النقاد معظمهم من النساء أنظارهم إلى كاتبات الأجيال الماضية. وفضلا عن ذلك فإنهن أخذن في تحليل شخصية المرأة كما ظهرت في القصص مع توضيح اهتمامات النساء في الأدب الحديث. وكانت مارجريت دورا وهيلين سكسوس من أبرز وأهم الأديبات الفرنسيات في نهاية القرن العشرين. 
ولا تضع سكسوس “الكتابة الأنثوية” و”النسوية” على نفس المستوى تمامًا – على الرغم من أن المفهومين مرتبطان. بينما تنتقد سيمون دي بوفوار المكانة الممنوحة للمرأة في المجتمع والثقافة مؤكدة على وجود نهج الاختلاف.. ومع صعود الحركات النسائية في سبعينيات القرن الماضي سيلعب هذا التيار بالأحرى التأكيد على الاختلاف مقابل مطلب المساواة المحاصرة أصلا.. في الوقت الذي تمنح سكسوس خصوصية لـ (الكتابة الانثوية) بتطرف واضح خاصة في رواية (ضحك ميدوسا)، ذلك ان الكتابة لديها ترتبط بالجسد واعادة تقييم العلاقة بين النساء واجسادهن والا يشعرن بالخجل تجاه الكتابة عن
الجسد.
ما بين السبعينات والتسعينات من القرن الماضي، بدأ العديد من الكتاب والمنظرين رفض مفهوم (الكتابة الانثوية) الذي كان يمثل ظاهرة ثقافية واجتماعية متنوعة وفقا للأزمنة والمساحات، ومن ثم ظهرت الكتابة بصيغة الجمع في كتابات مارجريت يورسينار وعائشة كاثرادا وفي روايات الكاتبة والمحللة النفسية البلجيكية جاكلين هاربمان وخصوصا رواية (أورلاندا) اذ بدأت الكاتبات بالإعراض عن الصور النمطية المتربطة بالأنثى، بل رفضت آسيا جبار في اعمالها التصور الجوهري للأنوثة وارتباطها بالجسد، لأن وجود كتابة انثوية سيكون له معنى فقط عندما يقترن بفكرة الكتابة التي تحارب اضطهاد المرأة.
ويبدو أن التشكيك في هوية الشخصيات النسائية له مغزى سياسي واضح خاصة مع ظهور نساء وضعن شخصياتهن النسائية وخاطبن المجتمع بكتابات تحررية تردد صداها طويلا مثل ماري ليدونيت وهيلين لينوار على الجانب الفرنسي فضلا عن الجزائرية ليلى مروان.. أما في القرن الحادي والعشرين فقد بدت العلاقات مع التراث النسوي أكثر ضبابية، إذ تجاوز الادب النسوي الكتابة الحميمية الانثوية الى الفكر العقلاني الذي يتخلل بعض أعمال كاليكست بيالا وكلير كاستيلون وكارول مارتينيز بل بات بعضها ينقل خطابا ذكوريا.. ونرى في أعمال ماريز كوندي على سبيل المثال ازدواجية الخطاب حول المؤنث لما يمكن أن يسمى بالجيل الثالث من الأدب
النسوي.