مضيفتان تستذكران قصتهما مع لوحة بيكاسو

الأربعاء 06 تشرين أول 2021 132

مضيفتان تستذكران قصتهما مع لوحة بيكاسو
 أنطونيو جيمينيز باراكا
 ترجمة: حميد ونيس
قبل أربعين عاما من الآن، وعلى متن الطائرة الإيبيرية، كانت المضيفتان إيزابيل ألمازان وبياتريس غانوزا  تعملان على متن تلك الطائرة التي أعادت لوحة الفنان بيكاسو (غيرنيكا) من نيويورك إلى مدريد.تروي المضيفتان ذكرياتهما عن تلك الرحلة، أثناء حديثهما إلى الصحيفة في أحد مقاهي مدريد، فتقول إيزابيل ألمازان التي كانت تبلغ من العمر 38 عاما: إنها لاحظت بعض الضجة عندما صعدت إلى الطائرة الجاثمة في مطار نيويورك حيث ستكون وجهتها إلى مدريد. 
 
وتضيف ايزابيل إن الطائرة، بوينغ 747 المملوكة لشركة الخطوط الجوية الإسبانية آنذاك، "أيبيريا"، أقلعت من مطار جون كنيدي بنيويورك مع تأخير طفيف، وكانت رحلة 
عادية. ولكن بحلول الساعة الثامنة صباحا بتوقيت مدريد، وعندما كانت الطائرة بالفعل على مدرج المطار متجهة للاقلاع، قام كابتن الطائرة خوان لوبيز دوران بالتنويه لركاب الطائرة، قائلا: "سيداتي وسادتي، أبلغكم بأنكم تسافرون اليوم مع رفيق مميز للغاية: "غويرنيكا"، التي عادت إلى إسبانيا وهي معنا الآن على متن هذة الطائرة". وتذكر إيزابيل التي كانت ترافقها حينها زميلتها على متن تلك الرحلة المضيفة بياتريس غانوزا، انها وصديقتها لم ينسيا مطلقا (كلمات قائد الطائرة): "نحن المضيفات لم تكن لدينا معرفة بذلك ولا أحد من الركاب يعلم بالموضوع، وللوهلة الاولى فاجأنا الخبر، ثم حدث تصفيق حار من قبل جميع ركاب الطائرة". وتضيف: "كان ذلك في العاشر من أيلول 
1981". 
وتعد لوحة غيورنيكا من أشهر اعمال بيكاسو (من فناني إسبانيا القرن العشرين)، إذ إنها محملة برموز تاريخ إسبانيا الحديث، وقد عادت إلى موطنها الأصلي على متن تلك الطائرة. وتذكر المضيفة ألمازان أن اللوحة تم لفها ووضعها داخل اسطوانة عملاقة تزن مئات الكيلوغرامات. 
ويذكر ان اللوحة ظلت، طيلة 44 سنة، معروضة في متحف نيويورك للفن الحديث، وأعيدت الى اسبانيا بعد تحقق الشروط التي وضعها رسمها الفنان بيكاسو لعودتها وكان يقصد الحريات العامة والديمقراطية للاسبان حينها، لكن تحفظ عائلة الرسام وتباطؤ متحف الفن الحديث أدى إلى تأخير وصول اللوحة الى 
وطنها.
 
اللقاء في المطار
كان ذلك الصباح المشمس والدافئ قبل اربعين عاما، حدثا تاريخيا، لأنه في تلك اللحظة، كان آخر المنفيين من الحرب الأهلية الإسبانية قد هبط في مطار باراخاس، بحسب ما تستذكره المضيفتان. اللتان أشارتا إلى انه كان على متن الطائرة عدد من الأشخاص المسؤولين منهم وزير الثقافة آنذاك كابيرو، ومدير الفنون الجميلة، المؤرخ خافيير توسيل؛  ونائب مدير الفنون البصرية ألفارو مارتينيز نوفيلو. كما أوضح الأخير في مقال نشرته صحيفة البايس سنة 2016، بانه كان هناك عدد من رجال الشرطة بملابس مدنية منتشرين حول الطائرة. وكانوا يرتدون ملابس سفاري تشبه مايرتديه الجواسيس في الأفلام، مع معاطف طويلة، وكانوا مسؤولين عن حماية اللوحة والتدخل في حال حدوث أي طارئ غير متوقع.  ولم يكن هناك شيء غير طبيعي.  وسارت الأمور بسلاسة. حيث تعلق المضيفتان بأنهما لم تتذكرا هوية الأشخاص المرافقين للوحة وربما قدمتا أقداح الكوكا كولا إلى رجال الشرطة السريين المجهولين، الذين يعرفون موضوع اللوحة. 
بعد إعلان قائد الطائرة الهبوط في المطار، استطاعت إيزابيل ألمازان أن تلحظ حركة غير طبيعية، من نافذة الطائرة، مع حضور أعداد كبيرة من الاشخاص في المكان المقرر أن تتوقف الطائرة فيه، وتضيف أنه حضر عدد من المسؤولين رفيعي المستوى وضباط شرطة والحراس المدنيين، فضلا عن عشرات الصحفيين وطواقم التلفزيون. وعلقت بالقول: "عند ذلك أدركت أهمية ما كنا نحمله، وعلى سبيل المزاح، قلت لزميل لي، حتى أن "آفا غاردنر" لم يتم استقبالها بهذه الطريقة وتقصد الممثلة الاميركية الشهيرة آنذاك.
تستذكر صحيفة البايس الإسبانية انه لا عجب من حجم مثل هذا الترحيب، حيث تعاملت حكومة رئيس الوزراء آنذاك، أدولفو سواريز، مع المسألة  بوصفها حالة ذات أولوية، وهي خطوة ستكون خطوة أخرى- وليست الأخيرة- لإنهاء فصل انتقال إسبانيا إلى الديمقراطية بعد عقود من الديكتاتورية. ولهذا وجهت الحكومة الإسبانية تهديدا لمسؤولي متحف الفن الحديث بإجراءات قانونية في حال فشلهم في إعادة اللوحة قبل 25 تشرين الأول 1981، وهو تاريخ الذكرى المئوية لبابلو بيكاسو.
تمثل اللوحة، التي رسمها بيكاسو بعد أن علم بقصف بلدة غورينيكا الباسكية من قبل فيلق كوندور الألماني أثناء الحرب الأهلية، وتُظهر اللوحة مآسي الحرب والمعاناة التي تلحقها بالأفراد، لا سيما المدنيين الأبرياء. واكتسب هذا العمل مكانة كبيرة، وأصبح تذكيرا دائما بمآسي الحرب، ورمزا مناهضا لها. 
في البداية، تم تثبيت اللوحة في "كاسون ديل بوين ريتيرو" وهو مبنى وملحق لمجمع متحف "برادو" في مدريد، حيث توجد صورة أيقونية للوحة تظهر خلف زجاج مضاد للرصاص، وتتم حمايتها من قبل حارس مدني مسلح. وفي العام 1992، تم نقلها إلى متحف "رينا صوفيا"، وأخيرا تم عرضها من دون زجاجها الواقي.
تقاعدت المضيفة بياتريس جانوزا عن عمر يناهز 55 عاما، مستفيدة من امتيازات شركة الطيران التي عملت فيها. بينما، واصلت إيلينا ألمازان العمل في الطيران حتى أجبرتها شركة "أيبيريا" على التقاعد. ولا تزال لديها حقيبة اليد والزي الرسمي الأنيق الذي كانت ترتديه خلال الستينيات تحتفظ بهما في منزلها. 
يبلغ عمر السيدتين الآن 78 عاما، وقبل ايام قامتا بزيارة المبنى الذي يضم اللوحة التي طارت معهما على متن طائرة بوينغ 747 قبل أربعة عقود، واستمتعتا برؤيتها.
 
عن موقع صحيفة الباييس