الشخصيّةُ والموهبةُ

الأربعاء 06 تشرين أول 2021 206

الشخصيّةُ والموهبةُ
 محمد صابر عبيد
 
توصف الموهبة دائماً بأنّها الجسر الإبداعيّ الخلاق الذي يعبره المبدع إلى فناء مجتمع التلقّي بطبقاته وساحاته المتعدّدة والمتنوّعة والمختلفة، بحيث يؤثّر فيه ويستقطب عنايته ويلهمه ويفتح له مسارات جديدة في التفكير والحياة والسلوك، وإذا كانت الموهبة هي الأساس والجوهر في أيّ عمل يندرج في سياق الإبداع الفنّي فهذا يعني أنّه بلا موهبة لا يوجد إبداع، وعلى الرغم من ذلك فإنّ الموهبة وحدها لا تكفي إذ هي بحاجة دائمة للتمرين والتطوير والتثقيف، وضخّ مزيد من الخبرة والتجربة والمعرفة في مفاصل هذه الموهبة وجسدها وأدواتها وطبيعة عملها، فضلاً عن ضرورة الاشتغال المستمرّ والكثيف على شخصيّة المبدع صاحب الموهبة كي يكون جديراً بحمل الموهبة وتشغيلها على النحو المطلوب.
يعدّ بناء الشخصيّة الإبداعيّة - التي عليها أن تحمي الموهبة- أمراً شديد الضرورة حتّى تكتمل الصورة بين الموهبة وشخصيّة المبدع، وقد تتقدّم شخصيّة المبدع في هذا المقام على الموهبة لتكون الموهبة هي الأداة، والشخصيّة هي الفاعل الميدانيّ المنتِج، لأنّ الشخصيّة تؤثّر في مجتمع التلقّي بما تنطوي عليه من إمكانات على مستوى إنتاج الخطاب وليس الموهبة، فالموهبة بلا شخصيّة تبقى تتحرّك في حدود ضيّقة مهما كانت كبيرة، في حين موهبة أقلّ نسبياً من هذه الكبيرة ولها شخصيّة قادرة على التأثير تحقّق ما لا تحققه الموهبة الكبيرة، لما تفرضه قوّة الشخصيّة التي توصف بـ «الكاريزما» من سطوة على الآخر المتلقّي فرداً ومجموعةً، إذ بوسع الموهبة التي تتوفّر لها شخصيّة من هذا النوع أن تعطي بأعلى ما تختزنه من كفاءة إنتاجيّة وبلا حدود ولا توقّف، بالمعنى الذي يُوجِبُ الاتحاد بين الموهبة والشخصيّة لبلوغ أعلى درجات التألّق والفعل والإنتاج الجمالي الأكمل.
 يمكن معاينة تجربة عبد الحليم حافظ بوصفها أنموذجاً لإشكاليّة «الشخصيّة والموهبة»، والنظر إليها ضمن رؤية تأخذ بنظر الفحص والتحليل العلاقة بين طرَفَي هذه الإشكاليّة، لتكون البداية المنطقيّة من عتبة أنّ الفّنان لا يسعه أن يصل مرتبة وصفه بالفنّان من غير موهبة، فهي العتبة الأولى التي تجعل الإنسان يتحلّى بصفة «فنّان» كي يشرع في تطويرها والدفاع عنها وتوكيدها، وهي صفة كبيرة تحتاج إلى مرحلة أخرى لبلوغ مرتبة «الشخصيّة الفنيّة» التي تجعل لصاحبها خصوصيّة يختلف بها عن غيره من الفنّانين.
يوصف عبد الحليم حافظ – بحسب المتخصّصين بمعرفة حجوم الأصوات الغنائيّة لكبار المطربين- بأنّ موهبته الغنائيّة أقلّ من مطربين آخرين مجايلين له؛ نال هو شهرة أكثر منهم بكثير، والسبب هو امتلاكه شخصيّة فنيّة ذات كاريزما لها سطوة كبيرة على مجتمع التلقّي والتداول، على النحو الذي جعله يهيمن على الساحة الغنائيّة بوصفه فارس الغناء الأوّل بلا منازع ولا نظير، ويفرض شروطه على أصحاب الشأن في الإنتاج الفنيّ الغنائيّ – وحتى التمثيليّ الفيلمي- زمناً طويلاً، فهو من يختار شاعر أغنيته وملحّنها ومنتِجها وموزّعها وكلّ ما يتعلّق بها من الألف إلى الياء، بما يمتلكه من ثقافة موسيقيّة وحساسيّة فنيّة جماليّة يدرك فيها كيف يقدّم نفسه بأعلى درجات القبول والنجاح والتأثير.
كان الجمهور الواسع يستجيب لشخصيّته الفنيّة أكثر من استجابته لموهبته الغنائيّة إذ كانت شخصيّته تضفي على صوته وحضوره قوّة لا تُقاوَم، لأنّ فعاليّات التلقّي الجماهيريّ الطرَبيّ في هذا المجال غير معنيّة على نحو تفصيليّ دقيق بمساحة الصوت الغنائيّ أكاديمياً، بل بقوّة تأثير صاحب الصوت الشخصيّة في الجمهور بوساطة عوامل كثيرة أخرى إضافيّة لا علاقة لها بجوهر الموهبة، بل لها علاقة بالشخصيّة التي ما أن تحضر في مجال العمل حتّى يستجيب الجمهور لها فوراً قبل أن تنطق بكلمة واحدة.
ثّمة من يرضى من الفنانين بصفة فنّان ويقتنع بها ويكتفي ليكون واحداً من حشد كبير يحمل هذه الصفة من غير العناية بتكوين شخصيّة خاصّة يتميّز هذه الصفة، وثمّة من يسعى مجتهداً وقاصداً باتجاه بناء شخصيّة فنيّة تقوم على الموهبة لكنّها تذهب –احترافياً- أبعد منها وأوسع وأغزر، على النحو الذي يفرز في هذا السياق نوعَين، النوع الأوّل هو الفنّان الموهوب المكتفي بموهبته ويقضي حياته كلّها يتعكّز على حصيلة الموهبة، ويستنفد طاقاتها بمرور الزمن مهما كانت خصبة وكثيفة وكبيرة، فلا يحقّق التميّز المطلوب بين أقرانه بل يصنّف على أنّه رقم فنيّ من الأرقام الفنيّة المتداولة والمعروفة، سرعان ما يتمّ نسيانه ويصبح من صورة من صور الماضي التي لم يعد لها قيمة تُذكَر.
أمّا النوع الثاني الذي يتمتّع بذكاء احترافيّ مميّز يتحرّى دائماً في أعلى درجات الوعي، فهو لا يكتفي بعتبة الموهبة بل يذهب نحو تطويرها وإنمائها وتخصيبها لتكوين شخصيّة فنيّة متفرّدة، وعندها يصبح فنّاناً يشار إليه بالبنان بوصفه قيمة إبداعيّة لها خصوصيّة على مستوى التداول والأداء، إذ قد لا تكون موهبته في مجاله الفنيّ كبيرة وخصبة في أعلى درجات كفاءتها، لكنّ الشخصيّة الفنيّة الواعية والمحترفة ستعرف كيف تتلافى النقص الموجود في منطقة ما من الموهبة وتنجح في تداركها، ومن ثمّ الاشتغال على سمات أخرى غير فنيّة ذات طبيعة شخصيّة تجلب النظر والانتباه في طبقة فوق طبقة الموهبة، واستثمارها أقصى استثمار لتكون هي الجسر الأطول والأعلى والأكثر حراكاً؛ وصولاً إلى التميّز والتأثير والشهرة.