دجلة الخير الجواهريَّة والغربة الزمكانيَّة الموصوفة

الخميس 07 تشرين أول 2021 242

دجلة الخير الجواهريَّة  والغربة الزمكانيَّة الموصوفة
 علوان السلمان
 
من المسلّمات المتداولة أن حقل القراءة فعل ايقاعي بصري لما ينطوي عليه من انتظام في دقة التأمل والتركيز من أجل استنطاق المقروء والكشف عما خلف ألفاظه وصوره المشهدية لتحقيق عنصري المتعة الجمالية المنعشة للروح الإنساني، والمنفعة الفكرية، الاضافة الخلاقة المحركة للذاكرة من اجل الاجابة عن الاسئلة التي يطرحها النص.
وباستحضار النص الشعري الجواهري (يا دجلة الخير) بكل موجوداته وشيئياته المكانية الموصوفة والمخبوءة في ذاكرة الشاعر الذي تحيل دلالته الى ظاهرة الخصب الاولى، وكشفه عن المكان البؤرة الثقافية الفاعلة التي تحققها حركة النداء الدائري (يا دجلة الخير) بوصفها افتتاحية للمقاطع الشعرية ولازمة النص، فضلا عن دلالتها الاسلوبية التوكيدية المضفية عليه نبضا مموسقا مضافا، فضلا عن اعتماد الشاعر ضمير المخاطب للمكان الاليف كما في (سفحك/ حييني/ يشجيك/ مجاريك/ شطيك) المهيمن على الامتداد النصي المؤنسن موضوعيا والمرتبط بسلسلة من الصور البيانية التي يخلقها الشاعر الذي يختفي خلف ظلاله المكان الضد متمثلا بالمنفى الاغترابي الذي يكشف عنه قوله: (يا دجلة الخير يا نبعا أفارقه/ على الكراهة بين الحين والحين/ إني وردت عيون الماء صافية/ نبعا فنبــعا فما كانت لتــرويني).
فالنص يتجه الى التركيز على نوعين من الاغتراب: أولهما: الغربة الزمانية وثانيهما الغربة المكانية والتي أسهمت في تفجير الطاقة الكامنة في نفسه ليعبر عن حالاته الشعورية ومكنوناته الذاتية، فضلا عن انه يوظف ميثولوجيا التراث توظيفا فنيا كما في قوله: (حييت سفحك عن بعد فحييني/ يا دجـلة الخـــير يا أم البساتين/ حييت سـفحك ظمآنا ألوذ به/ لوذ الحـــمائم بين الماء والطين).. إذ التفاعل بين الماء والطين الذي ينتج تمازجهما أصل الوجود الحياتي. فضلا عن الهواء والنار.
إن ملامح الخطاب النصي تظهر من خلال الصور الشعرية المكثفة التي تحقق الوظيفة الايحائية للمكان المحتضن للزمن عبر ثنائية الذات (الشاعر)، والموضوع (دجلة الخير المكان) الذي يفتح أبعاد الذاكرة الذاتية على فضاءاتها، واللذين يشكلان مركبا متمازجا تكويه سياط الاغتراب وتلوث الواقع (دجلة) ومحيطها.. (يا دجلة الخير أدري بالذي طفحت/ به مجاريك من فوق ومن دون/ يا أم بغداد من ظرفٍ ومن غنجٍ/ مشى التبـــغددُ حتى في الدهاقين/ يا أم تلك التي من ألف ليلتها/ للآن يعبـــق عــطرٌ في التـــلاحين).
 فالشاعر يوظف أسلوب النداء الذي شكل علامة سيميائية تحيل الى أسطورة الأم الأولى التي هي في الميثولوجيا البابلية (ابسو) التي تتخذ من الماء صورة لها، وهذا يعني أن النص قد حقق تناصا جزئيا مع (ابسو) بوصفها الهة الماء العذب.
 كل هذا يكشف عن جزء من شاعرية الجواهري الاستثناء في صياغة نصه بحكم قدرته الابداعية والأسلوبية واكتنازه الفكري ابتداء من الاستهلال النصي الذي يكشف عن علاقة جدلية بين الذات والموضوع (المكان بكل موجوداته ودجلة ومحيطها) ببناء لغوي قائم على دينامية مركبة ونمو تصاعدي فني محكوم بحركات وايقاعات، فضلا عن تمظهر الذات المنتجة فنيا والبناء النصي عبر شعرية الايحاء والاشارة... فقدم نصا.. يمكن تشخيص ملامحه عبر المستوى الأسلوبي متمثلا بالنداء.. واعتماده ضمير الخطاب الذي ظل ملازما على امتداد النص المؤنسن.